الأربعاء، 18 فبراير، 2009

لغوصه فلسفيه



منذ حوالى يومين دخلت الى مدونه ( nostalagia) ولاحظت وجود بوستر فى الجانب لفيلم اسمه:
(V FOR VENDETTA)
بوستر الفيلم كنت قد مررت عليه عدة مرات قبل ذلك فى موقع (IMP AWARDS) , الا انه لم يلفت انتباهى فقد ظننته كاحد افلام( زورو) او ما شابهها فتجاهلته.......
الا ان التعليق تحت الصورة فى المدونه المذكورة لفت انتباهى , مما دفعنى الى مشاهدة الفيلم ..
وانا ممن يؤمنون بنظريه السينما الهادفه واحتقر السينما الاستهلاكيه ايما احتقار واحترم الافلام الفلسفيه للغايه
وبالفعل , لم يخب ظنى....
الفيلم فعلا اكثر من رائع , ولكن السادة السطحيون والمصابون بالحول الفكرى اياة لن يجدوا فيه الا مجرد سلسله احداث مسليه او مجرد شماعه للسباب والانتقادات الاسقاطيه اياها ,وهى ما تفوقوا فيها بكل تأكيد......
وبما اننى لست منهم والحمد لله , او احسب نفسى كذلك , وبما انى عندى بالفعل سابق خلفيه عن قصه مؤامرة البارود وبطلها جاى فوكس او جيدو فوكس, وبما انى علمت ان الفيلم لنفس الاخوة اصحاب فيلم ماتريكس ,,,
فقد استعددت للغوص فى الاحداث وتحليلها بشكل متعمق فقد ادركت انه يقدم فكرة ويعرض فلسفه ولكن بشكل غير مباشر.

الفيلم يعتمد بالاساس على قصه الاخ جيدو او جاى فوكس الذى اتهم بتدبير مؤامرة شيقه للغايه لاغتيال الحكومه البريطانيه بالكامل والملك جيمس ايضا كرد على حاله التعسف ضد الكاثوليك فى بريطانيا, والاستبداد والفساد السياسى , ضمن حلقه كبيرة وسلسله من احداث العنف الطائفى التى سادت اوروبا فى تلك الفترة بعد انتشار تعاليم مارتن لوثر .....

كانت المؤامرة تقضى باستئجار قبو معروف بوقوعه تحت مبنى البرلمان الانجليزى وتلغيمه باكثر من 36 برميل بارود لنسف المبنى بالكامل
الا انها اكتشفت قبل تنفيذها بوقت قليل , وعانى الاخ فوكس من تعذيب شنيع , لكى يعترف بتدبير المؤامرة, وبالطبع اعترف تحت وطأة التعذيب كما هو معتاد حينئذ , وتم اعدامه هو وشركاؤة.
وبما ان التاريخ كالعادة يكتبه المنتصرون فقد وصم جيدو بالخيانه ونعت بافظع النعوت , مع ان مؤامرته لو كتب لها النجاح لكان بطلا قوميا وزعيم شعبى , ولكن هذا هو القدر....

ذهب الكثير من المؤرخون الى انها مؤامرة مفتعله ومن تدبير الملك لجلب التأييد الشعبى للاغلبيه البروتستانتيه, ولتبرير ماسيتلو ذلك من موجات عنف دموى ضد الكاثوليك وبالمرة كافه اعداء النظام , ولاغراق الشعب فى فتنه طائفيه لالهائه عن انتقاد الملك والحكومه بصنع اعداء وهميين(لاحظ التشابه بين تلك الاحداث وما يجرى فى مصر الان,وما جرى ايضا فى احداث 11 سبتمبر)

والفيلم ملىء بالاسقاطات على الحكومه الامريكيه لليمين المتطرف بزعامه بوش البروتستانتى واحداث سبتمبر التى عدها الكثير من الخبراء من تدبير الحكومه الامريكيه نفسها ليتم اتخاذها كمبرر لموجه عنيفه من الحروب والعدوان على الاقليات, تخدمها اله اعلاميه ضخمه تجيد قلب الحقائق وصناعه الاعداء الوهميين , يباركها كباراللصوص ورجال المال والمنتفعين وتجار السلاح.....

وقد علمت ان هذة القصه قد صدرت فى الثمانينيات كسلسه كرتونيه كرد على وصول مارجريت تاتشر الى الحكم كبروتستاتيه من اليمين المحافظ المتشدد , وسياستها المتعنته وقبضتها الحديديه فى مجال الحريات العامه , وسلوك حكومتها العنيف, مما دفع بقصه فوكس لان تطفوا على الساحه ثانيه كرد فعل , ولكن فى اطار عصرى من خلال السلسله الكرتونيه المذكورة......

وبم ان البرلمان الانجليزى هو اول برلمان فى العالم الغربى ,فانجلترا تعد ام النظام الديموقراطى الشائع فى الغرب حاليا , حيث انه نشأ فى القرن الثالث عشر الميلادى كنتيجه لقصه طريفه ,دارت احداثها حول معامله الملك الانجليزى جون السيئه لكبار الاقطاعيين مما دفعه بالتالى للاصطدام مع البابا شخصيا وبعد فترة من تطبيق الحرمان الكنسى على جون ثم على سكان انجلترا بالكامل اضطر جون للخضوع لسلطه البابا وبالتالى فقد خضع ايضا للسادة الاقطاعيين, حبايب قلب البابا وممولوة..

ولكى يتم تحجيم جون ولضمان تقييدة بعد ذلك تم اجبارة على التوقيع على وثيقه الماجنا كارتا , والتى تحد من صلاحياته المطلقه وتفرض عليه انشاء نواة لما سيكون بعد ذلك البرلمان الانجليزى....
تعد هذة الوثيقه فخرا للغرب , فهى اول وثيقه تنص على الحقوق المدنيه للمواطنين, ولكن من السخريه انها لم تهدف من الاساس لاى شىء من ذلك الا لمجرد تقييد الملك لصالح سلطه البابا والاقطاعيين مصاصين دماء الشعوب, وطوال تاريخ البرلمان الانجليزى كان مليئا بحفنه من الخونه والمرتشين ومن يعملون لمصالحهم الخاصه وللاقليات الغنيه ,ضد الشعب,فكان البرلمان مجرد وهم وكذبه كبيرة كانت الاساس لوهم اكبر يسمى الديموقراطيه الغربيه,

فالبرلمان الانجليزى هنا يعد رمزا لهذا الوهم ,وتدمير الرمز يعد بالتالى تدمير رمزى للوهم ذاته , حتى انه اصبح هناك مثلا شائعا يقول بان فوكس هو الرجل الوحيد الذى حاول دخول البرلمان بطريقه شريفه.....

فوجد مؤلف القصه فى البرلمان رمزا خصب للديموقراطيات الغربيه الزائفه التى لاتعمل الا لمصالحها الخاصه, من خلال خداع وتغييب عقول مواطنيها وقلب الحقائق , وبث مواد اعلاميه استهلاكيه تافهه , متجليه كاوضح ما يكون فى الحكومه اليمينيه لجورج بوش

تبدا احداث القصه بالبطل (والذى علمت انه هو نفسه من قام بدور(m smith) فى فيلم ماتريكس) كضحيه لتعذيب واعتقال وحشى لمدة طويله ,يفر من سجنه ويخطط لعشرين عاما خطه محكمه لقلب النظام,
وكان الكاتب قد افترض وقوع حرب ضخمه تغير شكل العالم وتقضى على الولايات المتحدة كقوة عظمى , ووصول حزب محافظ يمينى متشدد يزعمه (المستشار) بروتستانتى المذهب الى الحكم فى بريطانيا عن طريق ارتكاب جرائم بيولوجيه تقتل الالاف من المواطنين , فيزعم بعدها ان البلاد مستهدفه لمخطط ارهابى ضخم , وبالطبع بنجح المستشار فى القبض على الارهابيين المزعومين ويعدمهم مما يدفعه لسدة الحكم بسرعه الصاروخ(وفى هذا اسقاط ايضا).....

وتدخل بريطانيا فى حاله من الاستبداد المطلق فى جو كابوسى فظيع, واله اعلاميه تخدم اهداف النظام وتبث افكارة, وقوة بوليسيه باطشه تفتك بكل معارض, وشعب جبان سلبى مغيب لا يدرى ما يفعله ولا اين الحقيقه....
وفى هذة الاثناء يظهر البطل الذى يبدأ بتنفيذ مخططه من خلال بث شريط مسجل له عبر التلفزيون يدعو فيه الشعب لاعادة حساباته واصلاح الاوضاع والخروج على الحكومه فى يوم 5 نوفمبر ,ذكرى مؤامرة البارود...

كانت افعال البطلvبدايه لسلسله من الصحوة فى المجتمع ظهرت كومضات متكررة ومتقطعه وقد فشلت الحكومه بالطبع فى استيعابها , فهى لاتعرف الا لغه العنف, والعنف لا يقتل الافكار وانما ينميها , مما دفع بالنظام لارتكاب المزيد من الافعال الخرقاء كما توقع v مما زاد من معدل الاحداث وصعد من وتيرة العداء للنظام...

يقدم الفيلم حوارا فكريا من خلال vوالبطله , فهى لا تقتنع بان العنف وسيله للاصلاح,بينما يرى هو انه عندما يتوحش النظام ويبطش بكل معارض وتشتد قبضته فان المعارضه السلميه تكون غير مجديه , ويصبح العنف هو الطريق الوحيد للتغيير , وهو ما تقتنع به البطله فى النهايه.......

مشهد اخر لفت نظرى ,حيث ظهرت البطله ابنه لام واب ذهبا ضحيه لعنف النظام وكذلك اخوها مما زرع فيها قدرا من الجبن والخوف....
تتعرض بعد ذلك للاعتقال والتعذيب الشديد ويحكم عليها بالاعدام وقبل تنفيذ الحكم تكتشف انه سيناريو معد من البطل لتخليصها من مخاوفها من بطش النظام....

فالانسان يخشى على اشياء يمتلكها,وعندما يتعمد النظام افقادة هذة الاشياء امعانا فى التنكيل به, فهو لا يدرك انه بهذا الشكل يحررة شيئا فشيئا من قيود خوفه, الى ان يصبح حرا تماما (مالم يفقد ايمانه), فالاهل والاقارب والمال والوظيفه والحريه الوهميه داخل السجن الكبيرهى صمام الامان لاى نظام فاسد فهى تضمن خضوع الافراد له , ولكن بما ان النظام دائما تعميه القوة فهو يتعمد افقاد المواطن لهذة الاشياء , مما يعيد صياغه المواطن كوحش لا يخشى النظام ولا يتحكم به الخوف , ولا يكل حتى يسقط هذا النظام , وهو مانجح الفيلم فى عرضه برمزيه من خلال شخصيه البطل ثم عرضه بوضوح اكثر من خلال التحول فى شخصيه البطله.....

سيناريو الثورة تم عرضه بشكل رائع , وان كان قد تم تجنب الاحداث الدمويه مع ان وجودها كان سيخدم البناء الدرامى وهو يحاكى التطور العلمى المفهوم لاى ثورة فى التاريخ :
-فهو يبدأ بشحص يهبط فجاة على الساحه فيحرك المياة الراكدة من خلال حدث بسيط....
-بيدا اشخاص اخرون بالتحرك فى نفس الاتجاة والتجرأ على ذات الحاكم التى لا تمس
-النظام بالطبع لم يعتد على مثل هذة الامور فلا يتعامل معها الا باللغه الوحيدة التى يفهمها وهى القوة
-تؤدى القوة لنتائج عكسيه فيزداد عدد المعارضون باطراد ويعلو صوتهم وينضم اليهم المزيد من الافراد فالاختيار اصبح اكثر سهوله , فالكل يعانى من القهرسواء اتنقد ام لا , اذن فلنكن من المنتقدين..
-يزداد اضطراب النظام ,والتخبط بداخله ,مما يوضح للجميع مدى ضعفه وهشاشته....
-يزداد خرق الاجهزة الامنيه فى التعامل مع المواطنين مما يمد الثورة بوقود لا ينفذ ويصعد الاحداث..
-تبدا سلسله من احداث العنف والتوتر فى مناطق متفرقه , وبشكل متكرر , وتنجح الاجهزة الامنيه فى قمعها...
(تشكل هذة الاحداث مجرد بروفات صغيرة لسيناريو الثورة المقبله.)
-يظهر بوضوح تخبط النظام , فيبدا المستشار فى الظهور على الشاشات محذرا الجماهير من العنف مقنعا اياهم ان هؤلاء المعارضين مجرد ارهابيين خونه وعملاء لدول اجنبيه ,وانهم يقودون البلاد للفوضى,محذرا الجمهور من انه سيتعامل بمنتهى العنف مع اى نشاط معادى.....
-ولكن الاوان قد فات ,فلقد تحدى المواطنون حظر التجول وخرجوا الى الشارع رغم الحشود المخيفه للامن...
( هذا السيناريو بالمناسبه نفس السيناريو الذى حدث فى الثورة الفرنسيه من قبل , ويحدث فى مصر الان )

صيغ هذا التطور بشكل رمزى من خلال قيام البطل بترتيب قطع من الدومنو ثم قيامه باسقاط اول قطعه فتبعها سقوط باقى القطع بالكامل....

كذلك مشهد مواجهه البطل مع القائد الامنى فى نهايه الفيلم عندما قال له الاخير:لماذا لا تموت, فاجابه بان الافكار والمبادىء ضد الرصاص فهى لا تتالم ولا تموت , فالعنف هو الخطا الابدى الذى يقع فيه الطغاة فيجعلهم يدقوا مسامير نعوشهم بانفسهم.......

وينتهى الفيلم بثورة الشعب ونسف مبنى البرلمان ,الرمز الوهمى للديموقراطيه الغربيه الزائفه....

وتجيب البطله على سؤال عن شخصيه البطل فتقول انه انا وانت وابى وامى هو كلنا,فهو رمز للشعب ككل عندما يصر على التغيير فيحدثه بنفسه بدون ان يجلس لينتظر من ياتى بالتغيير اليه, وهو ما ظهر فى النهايه بارتداء كل افراد الشعب للماسك والزى الذى كان يرتديه البطل كدلاله على التغير الجذرى فى عقليه المواطن ......
(عقبالنا يااااااارب)

الفيلم مؤثر للغايه , وملىء بالرموز والاسقاطات , وانصحك بمشاهدته ,فان اثر فيك ,فاعلم ان هناك على الاقل جزء فى عقلك مازال سليما...

اما اذا لم تنفعل وتتأثر به , فانصحك بالتقدم على الفور بطلب عضويه لاقرب مركز لشباب الحزب الوطنى....