الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

مذكرات متصوف ( بالمعاش ) , قصه واقعيه عصريه غير قصيرة بالمرة ..



اعتاد فتانا ان يمر بذلك المسجد الصغير فى طريق عودته الى المنزل بعد انهاء صلاة الجمعه فى المسجد الضخم الموجود على اطراف مدينته ...
كان الصراع على اشدة بين المسجدين
المسجد الكبير بزعامه ذلك الشيخ المعروف والذى لا يكف عن مهاجمه النظام بمنتهى الضراوة حتى ان ساحاته كانت تتحول قبل صلاة الجمعه الى ثكنه عسكريه بينما امتلأ صحنه بمخبرى امن الدوله الذين لا تخطئهم العين وباعضاء جماعه الاخوان المستترين بين الصفوف ..
والمسجد الصغير المقر الفرعى لتلك الطريقه الصوفيه المعروفه والذى شهد فصلا من فصول مراهقته ..

كان الشيخ محمد امام المسجد الكبير قد احدث ضجه هائله على مدى عشر سنوات من امامته للمسجد نتيجه لمهاجمته لرأس النظام ذاته مما جعله مادة خصبه للحديث فى تلك المدينه الكبيرة كما اصبح فقرة معروفه وثابته فى جرائد المعارضه وصفحات الانترنت ..

كان يعرف جيدا كيف يثير اعجاب الناس والتفافهم حوله ببراعه منقطعه النظير بمظهرة المهيب وقامته الطويله ولحيته الضخمه البيضاء المحناة ونظراته الناريه وردود فعله السريعه والذكيه على مناورات الاجهزة الامنيه ..

يتذكر ذلك اليوم عندما فضح ذلك المقدم ومكالمته الهاتفيه له فى خطبه كامله ..
وايضا عندما صاح بعنف رادا على بعض من تم دسهم وسط الصفوف للشوشرة عليه قائلا :
الدين لله مش لحسنى مبارك , فوجم جميع من بالمسجد , فقد كانت الاعتراضات فى ذلك الوقت لم تمس رأس النظام بعد ...
وذلك اليوم عندما صعد اثنان من المخبرين من الحجم الكومبو على سلم المنبر لمنعه من اداء الخطبه فتعامل مع الموقف بحكمه وفوت على الجميع فرص احداث الشغب وادى شعائر خطبته من محراب المسجد ..
وايضا عندما تصرف الامن (بحكمه شديدة وذكاء بالغ) دفعه الى اغلاق ابواب المسجد على الاف المصلين وقطع الكهرباء عنهم فقال مستهزئا : احنا ممكن نعمل الخطبه برة فى الميدان لو عاوزين , وفجأة وبقدرة قادر انفتحت الابوب مرة اخرة وتم اعادة التيار فاستغرق الجميع فى الضحك...
وعندما تم منعه من اداء الخطبه وتم دفع خطيب من الاوقاف بدلا منه حيث صعد المنبر وهو يتصبب بالعرق خوفا من الجماهير المتنمرة الجالسه امامه , بالطبع كانت الخطبه الاكلاشيه المعتادة عن الاسراء والمعراج , حيث دفعه الخوف الى ان اخطأ فقال باستبدال قبله المسجد الحرام بالمسجد الاقصى بدلا من ان يقول العكس ..
وكانت تلك هى اللحظه المناسبه تماما حيث قام احد رواد المسجد من الاخوان وكان جالسا فى منتصف المسجد بالظبط , حيث صاح مكبرا فاشتعلت الجماهير فى المسجد ودفعت بالخطيب اسفل المنبر واندفع هاربا يحمل ( مركوبه ) فى يديه بينما صعد الشيخ محمد الى المنبر رغم انف النظام ...

ذلك اليوم امن الفتى بشدة على قدرة الاخوان وبراعتهم البالغه فى اثارة الجماهير واختيار الوقت والزمان المناسبين بشكل مثير للاعجاب ....

كان الشيخ محمد يذكِّرة بما سمعه عن الشيخ المحلاوى وخطبه الناريه فى اواخر عهد الفرعون السابق ..
الا انه وقع فى الفخ عندما قرأ بالصدفه كتاب ( الطبقات للشعرانى ) احد كلاسيكيات الصوفيه فى مصر , فاندفع مهاجما اياهم فى خطبه بدون حذر مما حول دفه الصراع لحرب اهليه اشتعلت بين الصوفيه والاخوان والسلفيين فى تلك المدينه ...

انقسمت مساجد المدينه الى شقين , احدهم صوفى يدافع عن افكارة ويهاجم السلفيين والاخر سلفى يهاجم ( العقائد الباطله ) للمتصوفه ...
وانقسم اهل المدينه بدورهم لشقين , الغريب ان منهم اساسا من هو ليس بمتصوف ولا سلفى ولا اخوان ..
المهم ان الجميع قد كف عن مهاجمه النظام وانصب كل اهتمامه فى مواجهه اعداء المله فهذا يصف الاخر بالمبتدع والاخر يصفه بالمتنطّع ...
كانت الحرب معروفه , مجرد حرب بلا نهايه واستنزاف للقوى فى معارك وهميه وبلا طائل ...
ومما زاد النار اشتعالا ان اجتمع الشيخ محمد بالصدفه بذلك الشيخ المسن ذو التسعون عاما والذى يشكل احد اقطاب الصوفيه فى المحافظه وله نفوذ هائل فى اوساط البسطاء حيث شهدوا له بالولايه وانه رجل ( ذو كرامات ) ..
كانت المناسبه ايضا عن الاسراء والمعراج , حيث قال الشيخ كلمه بتلك المناسبه فامتعض الشيخ محمد لبعض فقراتها واعلن اعتراضه على الملأ
ومع انه لم يخطىء فى اعتراضاته الا انه اثار استياء الكثيرين من اتباع ومريدى الشيخ حيث اعتبروا مجرد الرد على سيدهم جريمه لا تغتفر وسوء ادب بالغ ...
----

تذكر الفتى كل ذلك اثناء مرورة بذلك المسجد الصغير , كما تذكر تلك المرحله فى حياته , تذكر عندما انخرط فى صفوف احد الطرق الشهيرة واندمج معها لفترة تناهز السنتين ...
استعاد ذلك اليوم الصيفى ذو الجو المعتدل عندما اشار عليه صديقه بحضور تلك الحلقه الصوفيه المنعقدة فى احد احياء المدينه العتيقه وفى احد اكبر واقدم مساجدها ...
كانت قدماة لم تطأ ذلك الحى من قبل , فشعر باحساس عجيب عندما دخله لاول مرة , فقد توقف الزمان فجأة واختلط الحاضر بالماضى مشكلا لوحه رائعه من المبانى المملوكيه العتيقه والمقامات المتناثرة فى كل مكان والشوارع الضيقه المكتظه بالبشر , كل ذلك مختلطا بروائح العطارة والبخور المنبعثه من اللامكان , ضوء القمر الفضى ينسكب على كل عناصر اللوحه فى عداله تامه ...

دخل ذلك المسجد فانبهر ببنيانه الضخم وسقفه العالى ذو النقوش بالغه الروعه , كان قد حان وقت صلاة العشاء , فانخرط فى احد الصفوف خلف ذلك الامام ذو الصوت الرخيم ...

وعندما انتهت شعائر الصلاة استقبله رجل فى الخمسين من عمرة , حليق الذقن , بدين نوعا ما , ادرك فيما بعد انه دينامو الطريقه الاول فى تلك المدينه حيث يشكل الجناح الدعائى فيها كما انه المنوط به استقبال الاعضاء الجدد بالاضافه الى انه يمتلك مطبعه خصصها لخدمه الطريقه ونشر مطبوعاتها...
فى ذكاء اصطحبه ذلك الشخص هو وصديقه الى داخل مقام ذلك الشيخ الصالح المدفون فى المسجد ...
وبدأ فى سرد اهداف طريقته وكيف انها اكثر الطرق الصوفيه فى مصر التزاما واعتدالا وبدأ فى ذكر مناقب مؤسسها الاول وكيف انتقلت الامانه منه الى اولادة واحفادة الى ان استقرت مع شيخ الطريقه الحالى والمقيم بالقاهرة ....
وبينما الرجل يتحدث تعلقت عين الفتى بعامود رخامى مائل يقارب المتر طولا , عمود عتيق نقش عليه بخط بديع تاريخ وفاة صاحب المقام وبعض ابيات الشعر...

وكان الفتى قد اصطحب معه كتيب صغير اشتمل على بعض الاوراد فى الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , كان الفتى قد وجدها منذ سنوات فى خزانه جدة واعتقد فيها بشدة لما احسه من فيض الانوار والبركات, فمد الفتى يدة بها الى الشيخ والذى تناولها منه ونظر اليها بازدراء قائلا :
اة , دى.... اوراد , بس احنا عندنا اورادنا الخاصه بتاعه الطريقه اللى بنقولها فى الاوقات المختلفه وهى احسن كتير من دى ...
فاصيب فتانا بخيبه امل واحباط شديد زادة ان قام الرجل باعطاؤة نسخه من كتيب صغير يشتمل على اوراد الطريقه , وبمجرد تصفحه اياها ادرك ببساطه ما بها من سطحيه بالغه وركاكه شديدة فى صياغه الجمل والعبارات تنم جهل لغوى واضح , وهى لا ترقى بلا شك لذلك الكتيب الذى كان معه ...

كانت تلك هى اللقطه الاولى التى اخذها الفتى عليهم , ذلك التعصب المقيت والمسستتر لكل ما يخصهم ..
الا ان الرجل لاحظ ما اصابه من احباط فعالجه بسرعه بحفاوة بالغه فى تقديم الفتى وصديقه لاعضاء الطريقه الذين عاملوهما باهتمام بالغ وحفاوة كبيرة مما ازال كل ماكان بصدر الفتى من احباط , كيف لا , تخيل نفسك فتى فى الرابعه عشرة وتعامل من عشرات الشيوخ كبار السن باحترام بالغ واجلال كبير ...

وبمجرد ان خلا المسجد من المصلين , سارع الخدام باغلاق الابواب واطفاء اغلب انوار المسجد عدا اضاءة بسيطه جانبيه .
وانتظم اعضاء الطريقه فى صفين وبدأوا فى تلاوة وردهم الاسبوعى بصوت عالى وبشكل جماعى ..
احس فتانا بسكينه عجيبه عندما اندرج معهم فى التلاوة
وبعد قليل انتهى الجمع من ذكر الورد الاسبوعى , فسارع الخدام باغلاق الانوار بالكامل , وساد المسجد ظلام دامس فانتظم الجميع وقوفا بينما تهادى الى الاسماع صوت خفيض بالغ الروعه لاحد المنشدين مغنيا بعض الاشعار الصوفيه بينما يظهر فى الخلفيه صوت الجمع يقول بايقاع بطىء :
لاااااااااااااااااااااااااااااااااإلــــــــــــــــــــــــــــــــه الا اللــــــــــــــــــــــــــــــه .
واستمر المنشد فى انشادة واستمر الجمع فى ذكرة مائلين للامام تارة وللخلف تارة اخرى

احس الفتى بحاله عجيبه من الصفاء والتجرد , شعر لوهله بانه يحلق فى الفضاء الرحب ويتقافز فوق النجوم , نسى كل ما كان يؤرقه ويشغل باله , شعر بروحه تنسلخ من جسدة لينسى الامه ويهيم فى بحر الانوار الرحب المنبعث من ذلك الكوكب الدرى فى عليائه , تراءت امام عينيه اشباح القدماء والذين طالما قرأ عنهم واثاروا اعجابه , عمر ابن الفارض يهيم فى وديان المقطم تاليا اشعارة , عبد الله ابن المبارك راكبا جوادة بينما تزاحم الناس على ابراهيم ابن ادهم عندما اكتشفوا بالصدفه وجودة معهم فى السوق ...
قال قائل : اطرقوا الباب حتى ينفتح لكم , فبادرته رابعه العدويه قائله : ياهذا , الباب مفتوح وانتم تأبون الدخول ..
تلاشى عامل الزمان والمكان واتحد بعناصر الكون فى بحر الانوار اللامتناهى
شعر الفتى لوهله بانه ينظر لاول مرة الى القمر فى السماء , لا الى انعكاسه على صفحات المياة كما اعتاد من قبل .
تنساب الحكم من زهاد العصر العباسى فى كهوفهم المتناثرة بالصحراء كى تسطر فى صفحات الدهر .
تسارع ايقاع الجمع بكلمه لا اله الا الله بينما انشد المنشد يقول :
ومما زادنى شرفا وتيها - وكدت باخمصى اطأ الثريا ,
دخولى تحت قولك ياعبادى - وان صيرت احمد لى نبيا ..

انهمرت دموع الفتى واستمر ينعم بتحليقه لفترة تقارب الساعه الا الربع حتى انتهت حلقه الذكر واضيئت الانواروتصافح الجميع مودعين بعضهم البعض , اعتذر الفتى لصديقه واصر على العودة للمنزل وحدة ...

خارج المسجد شعر الفتى لوهله بانه ليس بالشخص الذى دخل من ذلك الباب من منذ اربع ساعات , انه شخص اخر .
خرج مرة اخرى من هدوء ورحابه ساحه المسجد الى ضجيج وزحام اسواق ذلك الحى العتيق , سار وسط امواج البشر كالتائه , شعر كانه فى حلم , صار غير مدرك لما حوله , احس بانه يسير وحدة على كوكب الارض متجاهلا لذلك الزحام الرهيب , اغمض عينيه محاولا استعادة تلك الانوار ......, صوت فرمله وشخص يصيح :
مش تفتح ياحماااار , انت اعمى ...

فى ذلك الطريق لمنزله والذى امتد لاكثر من ثلاث كيلومترات , لم يشعر لحظه انه يمشى على الارض بل احس بانه يطير , وبمجرد ان دخل الى منزله غير ملابسه واعد كوبا من الشاى وصعد الى سطح المنزل , مكان خلوته المحبوب ومسرح اغلب احلام الطفوله , انقضى الليل بينما استغرق هو فيما حدث فى ذلك اليوم ...

دخل فى حاله عزله شديدة ساعدته عليها اجازته الصيفيه , استغرق فيها فى استخراج ما كان قد جمعه مسبقا من كتب تتحدث عن الصوفيه الاوائل وفلسفتهم بالغه الرقى والتعقيد , شهور مرت به فى تأملات ليليه فى القمر والنجوم , وقراءات نهاريه ,يتخلل كل ذلك تلك الجلسات الاسبوعيه الرائعه فى ذلك المسجد العتيق .

وعندما استطال الفتى فترة الاسبوع اجابه احد اعضاء الطريقه بان هناك جلسه ذكر اقصر نوعا ما تعقد مساء الاحد من كل اسبوع فى مسجد صغير يدعى .......
كانت فرحه الفتى بالغه عندما سمع اسم ذلك المسجد , فهو لا يفصل بينه وبين منزله اكثر من مائه متر .

داوم الفتى على حلقات الذكر وجلسات التامل قائلا لنفسه فى سعادة بالغه : نحن فى لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف ...
----

لاحظ بعد فترة وجيزة انحسار الاضواء والاهتمام عنه وعن صديقه على عكس ما اعتادة , حينها اكتشف ببساطه بان كل ذلك لم يكن الا مجرد اداة لاستقطاب الاعضاء الجدد ثم سرعان ما تنحسر عنهم الاضواء بمجرد ضمان انتظامهم فى الصفوف فى حين تتسلط الاضواء مرة اخرى على الاعضاء الاحدث ....
شىء صغير للغايه كان ينغص عليه تلك الجلسات , شىء اشبه بوخز الابر , حينما كان يسمع المنشد يتوسل قائلا : يارجال الحديقه مدد ... يااهل الطريقه مدد .....
كم هو جميل مصطلح ( رجال الحديقه ) الا الجمله اثارت استياؤة , فهو لم يسمع بالاوائل يتوسل بعضهم بالبعض , قال لنفسه فى حزن بالغ :
يارب
كل باب له واسطه؟!
حتى بابك انت كمان , مندخلوش الا بالواسطه ؟!!!!!
ازاى؟
مستحيل
كل الابواب عليها وسايط وكِوّس والف قفل وترباس , وحجّاب وحرّاس , الا بابك انت
انت الكريم
انت الرحيم
مستحيل تكون موقف حد على بابك علشان يكون واسطه بينك وبين خلقك
علشان انت العدل
ودة يتنافى مع صفه العداله
انا عارف ان بابك مفتوح على مصراعيه
ومافيش عليه وسايط ولا حراس
وانا عاوز معرفتى بيك تكون مباشرة
مش عن طريق حراس ووسايط

الباب مفتوح وانتم تأبون الدخول
الباب مفتوح وانتم تابون الدخول

رفض فكرة المدد والوساطه من الخلق بشكل تام وحاول تجاهل تلك الكلمات , الا انه كان غالبا يفشل فى ذلك عندما تصطدم باذنه اثناء ( الحضرة ) ...
لاحظ ان قيادة الجمع تنحصر فى قبضه ذلك الشخص ( الدينامو ) الذى استقبلهم لاول مرة , بالاضافه لشخص اخر صموت دائما ومبتسم اغلب الاوقات , يعتقد الجميع فيه بالولايه , بالاضافه لشخص ثالث ...
لاحظ ايضا ان محاولات الاستقطاب دائما تحوم حول اصحاب المطابع ورجال الاعمال وكبار التجار وظباط الجيش والشرطه واصحاب المراكز المرموقه , حول هؤلاء ينصب الاهتمام الاعظم بينما يتم تجاهل العامه والبسطاء بشكل مثير للحنق
كثيرا ما اثارت تلك الملاحظه استياؤة , سلوك ينم عن سوء نيه ويتنافى مع ابسط قواعد الحق والعداله وان كان مفهوم انه يتم لتقويه مركز الطريقه وبسط نفوذها فى شتى مناحى الحياة وداخل اروقه النظام نفسه , لضمان مزيد من القوة ومزيد من الاتباع و....مزيد من مصادر التمويل.

منذ متى اهتم الاوائل بالقوة وبكثرة الاتباع ؟!!!!!!!

كان قد تعرف هو وصديقه على تلك الطريقه بواسطه صديق ثالث ينتمى اليها بحكم الوراثه حيث ان ابوة وامه وكل اخوته من اعضائها ..
عندما انتظم فتانا داخل صفوفها دعاة وصديقه ذلك الصديق الثالث الى مقر الطريقه .

شقه فسيحه فى حى متوسط , بابها مفتوح على مصراعيه بينما نصبت بداخلها ترابيزة طويله امتدت عليها صحون الطعام بينما يهرول عشرات الاشخاص فى ارجاء الشقه , اصطحبه احدهم لاحد الغرف الجانبيه واستغرقا فى الحديث الى ان لفتت نظرة صورة معلقه على الحائط لقبر النبى , الا ان الصورة من الداخل ...
وعندما لاحظ محدثه اعجابه بالصورة بادرة قائلا , بانها لا يوجد منها الا تلك النسخه حيث ان طريقتهم هى الوحيدة التى تمتلك صورة لقبر النبى من الداخل ......
- وما مثار الاعجاب فى ان تمتلك الطريقه صورة لقبر النبى صلى الله عليه وسلم من الداخل ؟!!
- ثم انه اكتشف اصلا ان الصورة متاحه للجميع على النت ومتوفرة فى اماكن كثيرة ....

بعد قليل دخل عليه بعض الاشخاص : يلا علشان تاخد العهد
!!!!
سحبه احدهم من يدة بينما ظهرت عليه علامات الدهشه والاستغراب , الى ان اجلسه امام شيخ طاعن فى السن , افهمه الجميع ان هذا هو شيخ الطريقه فى كل انحاء الجمهوريه وانه لا ياتى للمدينه الا مرة كل عدة اشهر وان هذة هى فرصته لكى ياخذ عليه العهد الذى يجعله عضوا فى الجماعه بشكل رسمى ..
وقبل ان يقول الفتى رأيه , قبض الشيخ على يدة وبدأ فى تلقينه نص العهد .
ردد الفتى وراءة على رغم رفضه للفكرة وشعورة بالحنق الشديد من اسلوب ( التدبيس ) هذا , الا انه لم يجد بدا من الاستجابه دفعا للحرج ...
وبمجرد خروجه من الشقه دخل فى مشادة عنيفه مع صديقه , خصوصا بعد ان علم بانه على معرفه مسبقه بكل ما حدث وانه هو الوحيد ( اللى كان على عماة ) .
هو انا قلتلك انى عاوز ادخل بشكل رسمى ؟
مش كان المفروض تنبهنى قبل ما اروح بدل ما تحطنى فى الموقف السخيف دا ؟
عموما انا مش ملزم بأى عهد وانا بحل نفسى منه ومش ملزم التزم بحاجه انا اجبرت عليها .....

استمر الفتى فى انخراطه بالجماعه بشكل متقطع وبهمه فاترة , وكثيرا ما اثارت انتقادة تلك التبرعات الهائله التى يتم جمعها من اعضاء الجماعه بدون معرفه مصادر انفاقها ...
كما انه لاحظ حاله التناقض الشديد بين اسلوب حياة الصوفيه ( المودرن ) واسلوب القدماء ..
الصوفيه قديما كانت فلسفه وفكر ومنهاج حياة , لم يكن فيها اوراد ولا احزاب ولا تبعيات ولا عصبيات .
اما الان فمعنى الكلمه ينحصر فى الاتى :
- مجرد اوراد تتلى فى اوقات محددة
- حضرة تنعقد بشكل اسبوعى فى احد المجالس
- اموال يتم جمعها بشكل منظم
- تعصب بالغ لكل ما يتعلق بالطريقه وانطواء بشع وانغلاق حول الذات
- تعهدات بطاعه عمياء لاشخاص لا تعرفهم ولا تراهم الا مرة كل عدة اشهر , هذا ان رايتهم اصلا ..
- اصرار عجيب على حلاقه اللحيه بشكل منظم وليس ارتجالى , كأن ذلك الموضوع ليس سنه عن الرسول .
- اما الفكر والفلسفه فشىء منعدم وان وجد فستراة شىء هزلى مثير للضحك ومعبرا عن سذاجه وسطحيه بالغه ومحاولات فاشله لتقليد القدماء ..

اكتشف الفتى بعد فترة ان كل اعضاء الطريقه تتميز وجوههم بسحنه عجيبه مشتركه بين الجميع , شىء مشترك فى نظرة العينين , لم يكن يلاحظه من قبل , مما مكنه من ان يتعرف على اى عضو بالطريقه يراة مارا فى الشارع حتى ان لم يكن قد راة من قبل..
حتى الان لا يعلم ان كان هذا شىء حقيقى ام مجرد استشعار روحانى داخلى ...

بمرور الوقت فترت همه الفتى وانهارت كل احلامه وانقطع بشكل كلى عن حضور جلسات الطريقه وان كانت العلاقات الوديه بينه وبين اقرانه منها لا تزال موجودة
-----

وبعد سنوات عديدة دعته ظروف عمله للاقامه بالقاهرة لسنوات , وكان ان التقى بمحض الصدفه بذلك ( الصديق الثالث ) عضو الطريقه القديم فى الطريق العام , وبعد السلامات وبعد ان عرف باقامته بالقاهرة طلب منه ان يجمعهما سويا لقاء فى اى وقت يناسبه , فرحب بالفكرة ..

وفى اللقاء المعهود فاتحه الصديق فى اسباب انقطاعه عن الطريقه منذ سنوات فصارحه بانه يرفض بشكل كلى مبدأ الوساطه والتبعيه , ومبدأ الطاعه العمياء للمعلم او الشيخ ( يقصد فكرة الشيخ والمريد ) وبما ان الفكرتان يشكلان دعامه اساسيه للفكر الصوفى ( المودرن ) فانه يلفظ ذلك الفكر بشكل كلى خصوصا وانه لا يقدم اى جديد ولا يمتد ولا ينعكس على الحياة العامه ...
عرض عليه الفتى ان يلتقى باحد مشايخ الطريقه المشهورين فى احد الاحياء الشعبيه , والح عليه فى القبول , فلم يجد بدا من الاستجابه ....

وفى الموعد المحدد اصطحبه الصديق وركبا المترو الى ما يقارب نهايه الخط تقريبا ...
نزلا فى حى شعبى , شوارع غير ممهدة , عشوائيات , مستويات معيشيه بالغه الفقر ...
دخلا مسجد وعرفه على ذلك الشيخ , انه شاب فى الثلاثينيات من عمرة , ذو لحيه مهذبه ويرتدى زى ازهرى مهندم ....
اثار مظهرة العام ارتياحه ودهشته فى نفس الوقت حيث انه يتنافى مع المظهر العام لمن رأهم مسبقا ...

لاحظ من رواد المسجد توقيرا بالغا للشيخ كما لاحظ انخراطه مع بعض اهل الحى فى مناقشات يظهر منها انه يتدخل فى حل منازعات او يساهم فى اعمال خيريه او ماشابه , استفزة ذلك السلوك شبه الاستعراضى وان لم يبد متعمدا من الشيخ , كما استفزة التوقير الزائد جدا له مما يدفع الرائح والغادى الى تقبيل يديه !!!!

مكث حوالى نصف ساعه حتى تمكن هو وصديقه من الانفراد به , فاصطحبهما الى حجرة الامام بالمسجد , وبدأ صديقه فى سرد اعتراضات الفتى الى الشيخ وهو يسمع فى صمت وابتسام حتى اذا انتهى بادرة الشيخ وبدا بالحديث عن نقاط الاتفاق , وافادة انه بسعى فعلا للتقريب بين الصوفيه والسلفيه وانه يرى ان لا داعى للخلاف والشقاق وللكل حريه الاختيار فى النهايه وذكر له عدة حكايات عن مواقف وادوار مر بها فى محاولاته للتقريب امتدت حتى وصلت لاقطاب صوفيين وسلفيين معروفين على المستوى العام ...
ابدى الفتى سعادته للفكرة واظهر اعجابه بسماحه الشيخ وعقلانيته وتمنى لو ان الجميع بهذا الشكل ...

الى ان اتت نقاط الخلاف فبدأ الشيخ يتحدث عن ان الطريق لله طويل ولا يمكن ان يصل احد الا بمعاونه شيخ يطيعه تلميذة طاعه عمياء ويتبعه كظله والا هلك فى اول الطريق وضاع وانه لا شىء فى الوساطه وان التوسل والتوسط بالاولياء والصالحين يعجل بالاجابه ويقصر الطريق على المريد ( كوسه يعنى ) , وان من يستنكف عن ذلك فلا امل له فى الوصول ...
قال ذلك الكلام على انه حقائق غير قابله للنقاش , مما اظهر على وجه الفتى خيبه امل كبيرة بعد ان توسم فيه تفتحا وعقلانيه ....
انتهى الشيخ من حديثه ثم بادر الفتى بالسؤال :
فما قولك ادام الله فضلك ؟

لم ينجح اسلوبه اللبق وابتسامته العذبه فى محو مظاهر الخيبه من وجه الفتى , الذى استاذن منصرفا من المكان . سارع الى محطه المترو وقطع التذكرة واستقر على الكرسى بالعربه الخاليه عائدا الى منزله فى الناحيه الاخرى من المدينه .
طالع بعينيه لوحه اسم المحطه وهى تتراجع الى الخلف مكتوبا عليها ( ساقيه مكى ) بينما قال محدثا نفسه :
هذا اخر عهدى بكم .....

----------

كل تلك الاحداث مرت بذهنه اثناء مرورة بجوار ذلك المسجد الصغير المجاور لبيته اثناء عودته من صلاة الجمعه , عندما سمع الخطيب قد انبرى مهاجما الشيخ محمد ومدافعا عن تيارة الصوفى مدعيا ان ما هو موجود بطبقات الشعرانى محض اقوال مدسوسه عليه قد ادخلت لمتن الكتاب بعد وفاة الشيخ الشعرانى ...

اشتعلت نيران المعركه ونفخت فيها الاجهزة الامنيه , وساهم فيها اغنياء المدينه بالمال , وانتهت بان تحزب وتشيع اهل المدينه وانقسم جمهور الشيخ محمد لمؤيد ومعارض ووصل الامر ببعضهم للتطاول عليه اثناء خطبه الجمعه وترك المسجد ...
وعندما ادرك الشيخ محمد الفخ الذى وقع فيه بادر بالاعتذار بشكل علنى , الا ان الاوان قد فات , ونجحت النيران فى ان ( تؤتى اكلها ) ونجحت الفتنه والتحزب فى فعل ما لم تقدر عليه العصا والبندقيه وعربه الامن المركزى ..
وثار الجدل حول الشيخ محمد وتفرق عنه اغلب الناس مما اعطى الضوء الاخضر بابعادة فسارعت الاجهزة بعمل اتصالتها الى ان صدر قرار بنقله لوظيفه اداريه باحد المحافظات النائيه ....

تجلت الصورة بشكل اكثر وضوحا عندما حضر فتانا بمحض الصدفه مولد السيدة فاطمه النبويه بحى الدرب الاحمر .

البسطاء والفقراء هم القوة العظمى فى اى مجتمع وهم الخطر الاول على اى نظام , وفكرة الموالد كانت قد تم زرعها فى نفوس المصريين بمعرفه الفاطميين , وهى طريقه بارعه فى الهاء العامه عن فساد حكامهم وتفريغ شحنات غضبهم بشكل آمن ودفعهم فى حاله عامه من التغييب والتخدير والتعلق بالاوهام ....
حيله غايه فى البراعه من حكام عرفوا جيدا كيف يحللوا نفوس شعوبهم بالغه التعقيد ...

ادركها نابليون جيدا عندما دخل مصر حين اصر على عمل الموالد بشكل اكبر من الاول وساهم فيها , الا ان مغادرته لمصر وغباء خلفاؤة قوض تلك السياسه ( لحسن الحظ ) ...

استغلها البريطانيون جيدا حينما بثت اجهزت مخابراتهم اثناء الحرب العالميه الثانيه اشاعه بان قوات الالمان كانت تريد قصف مسجد المرسى ابو العباس الا ان الناس شاهدوة يخرج من قبرة ويمسك بالقنبله ويعيد قذفها باتجاة طائرات الالمان !!!!
اذن :
- الالمان كفرة ويريدون قصف المساجد واضرحه الاولياء الصالحين .
- سيدى المرسى ابو العباس عدو للالمان .
- وبالتالى حليف للانجليز , فلم يراة احد خارجا من قبرة مثلا ليساند قوات عرابى ولا راكبا فرسه ليطارد الخياله البنغاليين...
- الشعب ليس مطالبا بشىء , فقط اجلس فى دارك ووقت اللزوم سيخرج اولياء الله من مقابرهم لاداء واجب الجهاد المقدس عنك....

حيل مازالت مستخدمه حتى الان , مخدر يخدر نفوس البسطاء , تشاهدة بوضوح فى اعينهم نصف المغلقه ووجوههم المبتسمه المغيبه فى رقصات جماعيه هستيريه على نغمات الموسيقى المزعجه فى الموالد , فيتناسوا فقرهم وغضبهم , ويعودوا الى منازلهم هادئين مطمئنين .....
اكثرمن العشرة ملايين متصوف فى مصر يدينون بطاعه عمياء مطلقه لعشرات المشايخ والذين يندرجون بدورهم تحت قيادة شيخ واحد يتم تعيينه فى مركزة بواسطه اجهزة امنيه ويدين بالولاء المطلق للنظام ويتمتع بسيطرة كامله على اتباعه ...

اذا اضفنا الى ذلك عدد السادة الاقباط الذين يدينون كذلك بالطاعه المطلقه للبابا الذى ابدى تاييدة لجمال نتيجه مفاوضات وابتزازات معروفه .
بالاضافه الى الاقليه الغنيه التى تدين بالطبع للنظام وتساندة لانه بكل بساطه يحميها ...

اعتقد ان الصورة قد صارت الان اكثر وضوحا ...

فما رأيكم ادام الله فضلكم ؟؟