الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

رستـم ..


التراك الخاص بالبوست :  http://www.fileden.com/files/2012/4/16/3292865/111.mp3


المكان : دوردان .. بلدة صغيرة فى فرنسا , تقع فى أحضان الطبيعه , على بعد حوالى خمسين كيلومترا من باريس , هادئه , جميله , سكانها اغلبهم اثرياء..

الزمان : اوائل اربعينيات القرن التاسع عشر ...

.. قبل غروب الشمس بدقائق , شارع شبه خالى من المارة , يظهر من بعيد رجل مسن .. بدين , تظهر عليه علامات الثراء , لاتبدو ملامح وجهه بوضوح , فالرؤيه شبه متعذرة , كما ان وجهه متجه لاسفل باستمرار , فهو كما يبدو يعانى من مشاكل صحيه كثيرة , يبذل جهدا كبيرا ليمشى ببطء مستندا على عصا فخمه ذات قمه ذهبيه منحوته بحرفيه بالغه على شكل رأس عبد , يرفع رأسه من حين لآخر لينظر للطريق امامه ثم يخفضها مرة اخرى ليلتمس موضع قدميه ..

وبينما يرفع رأسه فى احد المرات , يجد شخص ما , قادم يترنح كما يبدو نتيجه سكر بين من الجهه المقابله للطريق , ينشد بشكل ركيك احد الاناشيد الوطنيه الفرنسيه التى اشتهرت اثناء حكم نابليون ..

يقترب اكثر فأكثر فتبدو ملامحه بالتدريج للرجل المسن , يتجهم وجه الرجل المسن وينظر للجهه الاخرى , أملا فى الا يلاحظه هذا السكيرالقادم من بعيد ..

كلاهما يعرف الاخر جيدا , فالسكير من سكان البلدة , ويعمل مدرسا للموسيقى , وكان فيما مضى يعمل شرطيا فى قصر نابليون , وطرد منه عقب نفى نابليون , والان كلما شاهد ذلك الرجل المسن فى طريقه يشير اليه ويصرخ قائلا :
- ايها الجاحد .. هذا هو الخائن .. خائن الامبراطور .. خائن الوطن ..

فيبتسم الرجل المسن فى هدوء ويكمل طريقه , بينما يتعجب المارة من سكان البلدة , فذلك الرجل المسن الذى انتقل للمعيشه فى بلدتهم مؤخرا , شخصيه غامضه , وبالرغم من انه طيب ولطيف ويعامل الاخرين بود , الا انه يتجنب تماما أن يذكر لهم ماضيه ..

هذة المرة يتمنى العجوز أن يمر ذلك المدرس بجوارة دون ان يلحظه , نظرا لسكرة وللإضاءة الخافته فى الشارع ..

يقترب الاثنان من بعضهما , وبينما يلف العجوز رأسه بعيدا فى الاتجاة الاخر , يرمقه المدرس ثم تتسع عيناة ويبدأ فى الصياح والسباب , لقد تعرف عليه ثانية مع الاسف ..

إلا انه هذة المرة إنفعل بشكل ذائد , ودارت رأسه بفعل الخمر , فبدأ يهجم على الرجل المسن ويحاول الاعتداء عليه ...
لم يحاول المسن الدفاع عن نفسه , واكتفى بالإستماته على عصاه , والتى حاول المعتدى ان ينتزعها منه بقوة ..

الا ان المدرس نجح فى انتزاعها اخيرا من يدة , وانهال بها ضربا فوق رأسه , فسقط العجوز فى الارض والدماء تسيل منه , وبدأ اهالى البلدة يهرعون اليه , ففر المدرس من المكان واختفى فى الظلام ..
تجمع بعض شباب القريه حوله محاولين تضميد جراحه , بينما هو ينظر لعصاة المكسورة ويبكى ويقول : لقد انكسرت , انكسرت العصا التى أهداها لى الامبراطور , انكسرت ولا يمكن اصلاحها , كم كانت جميله ..

كان اهالى البلدة إجتماعيون , وكان من عادة الاثرياء منهم اقامه حفلات عشاء عامه يجتمعون فيها من حين لآخر , وكان المسن يحضرها باستمرار بصفته احد اثرياء البلدة , وكان ميعاد احد تلك الحفلات , بعد حادثه الاعتداء عليه بأيام ...

فى منتصف الحفله ووسط اجوائها الصاخبه , إنسلخ العجوز من بين جيرانه بهدوء , وتسلل لاحد الاركان حيث وجد مقعدا مريحا , فجلس عليه ليريح جسدة الثقيل المتعَب ..

أخذ يتامل الحاضرين فى هدوء , مع الوقت بدأ ذهنه يشرد ويخرج من جو الحفله الصاخبه , بدأ يستعيد ذكريات شبابه وحياته الاخرى التى لا يعرف عنها هؤلاء الحاضرون شيئا ..

انه ذلك العام , عام 1800 , كان حينها لا يزال فتى يافع فى التاسعه عشرة من عمرة , كان مملوكا شرسا على ارض مصر , يقاتل ويغامر بحياته آملا فى بزوغ نجمه وفى بعض المتع القصيرة قبل ان تقضى على حياته ضربه سيف او طلقه من ( غدارة ) شخص ما , شأنه فى ذلك شأن كل زملاء جيله المماليك , وأسيادة حكام تلك الجنه المسماة مصر , فقد بدأوا مثله , الى ان حالفهم الحظ وشقوا طريقهم بسيوفهم الى عرشها ...

الا ان الاحوال اضطربت مؤخرا نتيجه للغزو الفرنسى لمصر , وهروب امراء المماليك الى الصعيد والشام , الا انه بصفته مملوكا صغيرا غير ملفت للنظر بقى فى القاهرة , شأنه فى ذلك شأن البعض من زملائه ..

يذكر عصر ذلك اليوم , حين دخل عليهم احد ظباط نابليون المقربين وتفحصهم بعينيه , ثم نظر اليه وقال : تعال معى , سارى عسكر يريدك ...

امتقع وجهه , فهم ولا شك يريدون قتله , هو كمملوك لا يهاب الموت , لكن من المؤسف ان يأتيه الموت بتلك الطريقه ..

دخل على نابليون , ذلك الجنرال الاجنبى الغريب الملامح , مازال يتذكر نظرة نابليون اليه حين شاهدة اول مرة , تفحصه بعينيه ثم اقترب منه نابليون , وبدلا من ان يقتله كما توقع , إذ به يشد اذنيه فى رفق ويسأله :
- ما أسمك ؟
- رستم
- من اين انت يارستم ؟
- انا من جورجيا , اختطفت وانا طفل من اسرتى , وتم بيعى كمملوك فى الشام مرات عديدة , الى ان انتهى بى المطاف هنا فى مصر ..
- هل تجيد القتال وركوب الخيل يارستم ؟
ظهرت على وجه رستم ابتسامه مقرونه بشىء من الامتعاض والسخريه , ثم اجاب نابليون قائلا :
- انا مملوك ياسيدى , حرفتى هى ركوب الخيل والقتال , صناعتى الموت , لقد قاتلت فى الكثير من المعارك , ثم شمر ساعدة وكشف له عن اثار بعض الجروح البالغه القديمه ....

ابتسم الجنرال , ثم غاب عنه قليلا فى حجرة مجاورة , ثم عاد اليه بسيف فخم مرصع بالماس ومسدسين بمقابض ذهبيه منقوشه , مد يدة بهم اليه وقال له : انت من الان مملوكى , أتمنى ان تحرسنى بوفاء وإخلاص ..

كان هذا هو لقائه الاول بالامبراطور والذى لم ينساه قط بكل تفاصيله , حتى شكل الغرفه التى قابله فيها , ملامح الباب , السجادة الحمراء الفخمه المفروشه على الارضيه , ابتسامه نابليون الواثقه وصوته الهادىء المنخفض , علامات القلق التى تبدو باستمرار على وجهه ويجاهد نفسه فى أن يخفيها ...

ظل لايام بعدها لا يرى سيدة الجديد , الى ان اقبل اليه مساء يوم احد الظباط مضطربا , همس فى أذنه قائلا : الامبراطور يريدك على الفور ...
اصطحبه الضابط دون ان يوضح له الامر , سار رستم معه فى صمت الى ان خرجا من القاهرة بحواريها المزدحمه ومصابيحها الليليه الخافته , حيث فوجىء رستم بركب صغير ينتظرهم خارج ابواب القاهرة مكون من بعض الاشخاص والخيول , وعدة جمال محمل عليها بعض المتاع , يبدو انهم عازمون على السفر الآن ...

مضى الركب فى طرق غير مأهوله , الى ان وصل الى الاسكندريه , وهناك بدأت الصورة تظهر تدريجيا لرستم , حيث اجتمع عدد من الاشخاص عند الميناء فى ظلام الليل , وفهم منهم رستم انهم مسافرون الان الى فرنسا , وازدادت دهشه رستم حينما علم بأن نابليون نفسه مسافر معهم ...

لم تدم دهشته كثيرا , فهو مملوك , لا وطن له , كتب عليه ان يعيش مغامرا ينتقل من بلد لأخرى , صعد على السفينه فى صمت وهدوء , واخد يراقب اضواء مدينه الاسكندريه الخافته وهى تبتعد تدريجيا ثم تتلاشى اثناء تحرك السفينه فى عمق البحر ...

مرت الايام والسفينه تمخر البحر المتوسط فى هدوء وسريه تامه , كان يرى فى عيون مرافقيه من خدم وحرس الجنرال الفرنسيين فرحه غامرة لانهم عائدون لوطنهم , اما هو فكان يجلس فترات طويله على حافه السفينه , يرمق البحر فى هدوء  وصمت , ذلك الهدوء الذى استفز باقى ركاب السفينه , فكان يأتيه بعضهم من حين لآخر راسمين على وجوههم علامات الحزن والاسى , ثم يقولون له : يامسكين ... ان الامبراطور يصطحبك معه لكى يقطع رأسك فى باريس .. انه كثيرا ما يفعل ذلك فى كل بلد يدخلها , يأخذ معه بعض الجنود لكى يستمتع بقطع رؤسهم امام الجمهور الفرنسى ..

تجاهل رستم أقوالهم , إلا انها تكررت كثيرا مع الوقت , وبدأ القلق ينتابه , خصوصا أن سيدة أحتجب عنه منذ ايام ولم يسمح له برؤيته ...

هو لا يخشى الموت , لأنه كمملوك يعلم جيدا ان الموت قتلا سيكون مصيرة على الأغلب , إلا انه يقبل به ان أتاة اثناء القتال او فى ساحه المعركه .. اما ان يساق لبلد غريبه كى يذبح امام شعبها كالخروف ... فهذا مالا يقبله ..

ألح فى ان يقابل الجنرال شخصيا , وعلى الرغم من ان طلبه رفض فى البدايه بدعوى إنشغال الجنرال الدائم ... إلا انه سمح له بمقابلته اخيرا بعد إصراره ...

دخل حجرة الجنرال بخطوات هادئه وواثقه , وجده منهمكا فى قراءه بعض التقارير وتدوين ملاحظاته عليها , وقف رستم امامه وظل صامتا لفترة , حتى شعر نابليون بوجودة اخيرا , وما ان رفع رأسه ورآة حتى ابتسم وصاح قائلا :
- رستم .. كيف حالك ؟
- انا بخير ياسيدى والحمد لله , إلا اننى حزين ..
قضب نابليون حاجبيه متعجبا  وقال :
- لماذا يامملوكى العزيز ؟
- جميع ركاب الباخرة أخبرونى انكم سوف تقطعون رأسى فور وصولنا لفرنسا , وانا لا اقبل بهذا , إن كنت تريد قتلى فأرجو ان تقتلنى الآن ...

صمت نابليون للحظات فى حاله من عدم الفهم , إلا انه سرعان ما انتابته نوبه من الضحك الشديد , واجابه بصعوبه وبشكل متقطع اثناء ضحكه :
- لا تخش شيئا يارستم , انهم بلهاء ويريدون ان يمزحوا معك , هذا كل ما فى الامر..

- حسنا ياسيدى , لقد اطمئن قلبى الان من جهه هذا الموضوع , ولكنى اريد ان أحدثك فى امر اخر ..
- ماهو ياحارسى الامين ؟
- انه فيشر , خادمك الخاص ..
- ماله يارستم ؟
- كما تعلم ياسيدى انه يوجد بالباخرة عنزتان , لا يقترب منهما احد سوى فيشر لكى يجلب لك كوب اللبن الذى اعتدت تناوله فى افطار كل يوم ...
- أها , وماذا فى ذلك ؟
- فيشر عقب خروجه من غرفتك يستولى لنفسه على قدح من اللبن , وأنا اغار منه , فانا أحق بقدح شخصى لى , بصفتى حارسك الخاص ..
ضحك نابليون ثم رمق رستم فى صمت , وتعجب من تلك الشخصيه الغريبه المتناقضه , التى تجمع بين القوة والشراسه والبراءة والسذاجه فى نفس التوقيت , ثم ابتسم وقال له :
- حسنا يا مملوكى العزيز , سوف آمر الخدم بأن يعدوا لك يوميا كوبا من النسكافيه , يصنع خصيصا لك بصفتك حارسى المقرب ..


--------

 الزمان : عقب إنقلاب برومير واستيلاء نابليون على السلطه فى فرنسا وإعلان نفسه امبراطورا للبلاد ..

المكان : شوارع باريس , وتحديدا ذلك الشارع الذى يمر به موكب الامبراطور العظيم مرتين يوميا , مرة صباحا ومرة عند غروب الشمس ..


قبل الغروب بقليل , يصطف عدد ضخم من مواطنى باريس على جانبى الطريق , لكى يشاهدوا موكب الامبراطور اثناء عودته , وتحديدا كى يشاهدوا مماليكه , تلك الوجوة الشرقيه المخيفه , بنظاراتهم الناريه وازيائهم الفخمه المبهرة ..

بعد قليل تسمع الحشود أصوات ارتطام حوافر الجياد على ارض الشارع قادمه من بعيد , بعدها بلحظات يظهر موكب الامبراطور قادما من اول الشارع ومخترقا اياة فى سرعه , يعلو صياح الجماهير وهم يشيرون الى الموكب ويقولون فى تعجب ودهشه :
-  المماليك ! ... المماليك !!!

يقترب الموكب ويظهر بوضوح , موكب مهيب عبارة عن عربه مغلقه تجرها مجموعه من الخيول ويحيط بها ثمانيه من الرجال الاشداء , كل منهم على صهوة جوادة , تظهر على وجوههم ملامح الشراسه والقوة وتنطلق من اعينهم نظرات ناريه , ويحمل كلا منهم ترسانه كامله من الاسلحه , سيوف باحجام مختلفه , خناجر , مجموعه مسدسات , رمح , اكياس بارود...

وسط حراسه الثمانيه , حاز واحد فقط على القدر الاكبر من إعجاب وانبهار الجمهور الفرنسى , مملوك قصير الى حد ما , يمتطى فرسا عربيا مهيبا وملفتا للنظر , تبرز من ثيابه عضلات ساعديه واكتافه وتنم عن قوة بأسه , تنظر عيناة الى الامام باستمرار متجاهله صياح الجماهيرعلى جانبى الطريق , يرتدى على رأسه عمامه ضخمه بيضاء من الحريراللامع وقد لفت على رأسه بحرفيه بالغه ,
ينسدل من خلفها شعرة الطويل على ظهرة ,  يرتدى زي مملوكى فخم ومبهر , سترة حمراء ضيقه يبرز منها ساعدة المفتول , فوقها صديرى من القطيفه السوداء مطرزا بالذهب , وسروال مميز واسع وفضفاض , يمسك بيمناة زمام فرسه بقوة , بينما يدة اليسرى على مقبض طبنجه مذهبه موضوعه داخل حزام حريرى ملفوف حول وسطه بعنايه ..

تتصايح الجماهير وهى تشير اليه قائله :
-  انه رستم ... انه رستم
اجل ..  انه رستم , المملوك الذى اصطحبه نابليون معه اثناء خروجه من مصر , والذى رأى منه وفاء واخلاصا بالغا , مما جعله حارسه الخاص والمقرب , والذى لا يفارقه ولو للحظه ..

ترك رستم المملوك الشرقى انطباعا عميقا فى نفسيه اهالى باريس , واشتهر فى جميع الاوساط , وتسابق الرسامون فى رسمه وهو راكبا حصانه , وبيعت تلك اللوحات بالالاف وبأغلى الاثمان , وبلغ من شهرته انه اصبح موضوعا فى الصحافه الفرنسيه حينها , وكتبت عنه العديد من المقالات ووصف بـ ( المقاتل الشرس والرجل ذو الوجه الخرافى ) ...

--------

تذكر رستم تلك الايام , كان نابليون حينها فى عز مجدة , على الرغم من اضطراب الاوضاع للغايه , الا انها كلما اضطربت , كلما زاد قربه من نابليون , وكلما زادت ثقته فيه ...
يذكر تلك الليله حينما كان الامبراطور يلعب الكوتشينه مع بعض كبار ضباطه على اضواء الشموع , كان حظ الامبراطور جيدا حينها , فربح مبلغ كبير من المال , حينها صرخ قائلا : 
- رســـتم ...
فجأة ظهر رستم من خلف احد الستائر قابضا على على خنجر ضخم ومعقوف معلق فى وسطه , نظر اليه الظباط فى فزع , بينما ابتسم له نابليون وقال :
- هذا المال هو مكسبى من لعب الورق الليله , خذه يارستم ... كله لك ...

كان نابليون لا يثق فى احد ثقته فى رستم حارسه الامين المخلص القوى , كان رستم يضع سريرا صغيرا على باب غرفه نوم الامبراطور , يظل عليه طول الليل نصف نائم , الآن لا يوجد متآمر واحد يجرؤ على التفكير فى اقتحام غرفه نوم الامبراطور , فرستم يقبع على بابها كالذئب ويدة على مقبض سيفه , فهو كمملوك لا يشاق له غبار فى المبارزة , وسيفه من القوة بحيث يشطر اى شىء يهوى عليه لنصفين ..

كان سيدة قد اعتاد ان يتناول دجاجه صغيرة فى عشائه قبل ان ينام , وكان اغلب الوقت ونظرا لانشغاله الشديد ينام دون ان يتناولها , حينئذ تكون من نصيب طباخه وخادمه كوستن ..
وفى احد الليالى نام الامبراطور بدون ان يتناول دجاجته , وظل كوستن على باب الغرفه ممسكا بصينيه وضعت فيها الدجاجه , تحسبا لان يقلق الامبراطور من نومه فى اى لحظه ويطلبها ...

وبجوارة يجلس رستم يرمق الدجاجه بنظرات شرهه من حين لآخر , الى ان فقد صبرة فى النهايه وهمس لكوستن قائلا :
- كوستن .... انا جائع , اعطنى تلك الدجاجه , فالامبراطور قد نام ولن يستيقظ الا فى صباح الغد..
- اياك ان تقترب منها يارستم , لو استيقظ الامبراطور وطلبها سيحدث مالا يحمد عقباة ...
- لا تقلق يا كوستن , لن يستيقظ ..
وجذب رستم الصينيه من يد كوستن الذى استسلم فى صمت ,
وما ان تناول رستم احد فخذى الدجاجه  حتى دق الجرس من حجرة الامبراطور , مما يعنى انه استيقظ ويريد تناول العشاء ...

امتقع وجهى كلا من كوستن ورستم  , ودخل كوستن مضطربا لغرفه الامبرطور وجذب رستم من يدة ليدخل معه , وقدم له الصينيه بينما يداة تهتز فى خوف ...
وما ان كشف نابليون الغطاء عن الصينيه حتى قال متعجبا : دجاجه بفخذ واحدة ؟!! انا اعلم ان الدجاجه بفخذين , فمتى كان لها فخذا واحدة يا اوغاد ؟ , ثم صرخ قائلا : من منكما اكل الفخذ ؟؟
فنظر كوستن بجبهته المحتشدة بالعرق الى الارض واشار بطرف اصبعه الى رستم ..
نظر اليه الامبراطور ثم اخذ يضحك , ثم قال له : حسنا .. اخرج الان يا لص الافخاذ...

وعلى الرغم من ان الامبراطور لم يعاقب رستم على هذا الموقف الا انه ظل لفترة طويله بعدها يناديه وهو يضحك مسميا اياة ( سارق الافخاذ )

-------

تذكر رستم جوزفين , زوجه الامبراطور , تلك المرأة الجميله الرقيقه , والتى كان انبهارها به شديدا , فكثيرا ماكانت تجلسه امامها لتتأمله بالساعات , وكانت تحب ان تستمع اليه كثيرا وهو يتحدث ,  ورسمته بيدها فى لوحات عديدة ..
يتذكر رستم تلك الليله حين استدعته جوزفين لترسمه كالعادة , وقد كان متعبا يومها , مما جعل رأسه يسقط عدة مرات اثناء جلوسه لفترة طويله امام جوزفين لترسمه , فكانت تنهض لتداعبه فى وجهه باصابعها ثم تعود لتجلس امام لوحتها وتستأنف الرسم وهى تغنى له مقطوعات من اغانى شهيرة حتى تلفت انتباهه وتبقيه متيقظا ..

------

ظل رستم فى معيه نابليون طوال الوقت , وحضر فترات حاسمه تاريخ فرنسا , وعاصر مجد نابليون وسيطرته على اوروبا , وعاصر اوقات المؤامرات والمكائد التى حيكت ضدة , قام بدورة كحارس وفى ومخلص لسيدة وخاض الكثير من المخاطر , واستمتع ايضا باوقات المجد والشهرة , وجنى الكثير من المال الذى يتيح له تأمينه ماديا لباقى حياته ...









لم ينسى ابدا ذلك اليوم حينما رأى تلك الفتاة لاول مرة , بوجهها الملائكى الذى لا يُنسى ...
انها دوفيل الجميله , ابنه حاجب الامبراطور , شغف بها رستم وعرض عليها الزواج , ووافقت الفتاة , الا ان كبيرالاساقفه رفض اتمام ذلك الزواج بشكل قاطع , نظرا لاختلاف ديانه رستم ...
لجأ رستم لسيدة باكيا وشاكيا له , وتدخل نابليون على الفور فرضخ الاسقف وأتم الزيجه , وانفق نابليون على حفل زواجه من جيبه الخاص ..
وعاش معها حياة سعيدة , وسرعان ما انجب منها طفله جميله اسماها ( أشيل ) , ومازال يذكر كم كانت سعادة الامبراطور بميلاد هذة الطفله ...

استقرت حياة رستم بعدها لفترة , واستسلم للهدوء والتراخى مما ادى لزيادة وزنه بشكل ملحوظ , حتى انه ذات يوم سقط من على فرسه اثناء عدوة بسرعه , مما تسبب له باضرار كبيرة بأربطه ومفاصل ساقيه ..

حينها كان نابليون يغزو روسيا وكان على مشارف موسكو , وبلغه الخبر واستاء منه كثيرا , وعندما عاد لباريس بعد فشله وهزيمته لم يلتفت لقوادة ولا لتأمين مركزة , انما ذهب على الفور لرستم المصاب حيث أمر طبيبه الخاص بعلاجه , وكان كلما ذكر اسمه وسط ضباطه يقول فى حزن : رستم المسكين ... انه مازال متعب , وجهه يبدو عليه التعب ...

 أثرذلك الحادث على رستم لبقيه حياته ( رغم علاجه ) , وأثر كذلك على لياقته كحارس خاص , خصوصا مع إقتران ذلك بزيادة وزنه المفرطه ..
الا ان الامبراطور ظل متمسكا به بجوارة , وظل رستم محتفظا بمكانته الكبيرة كحارس الامبراطور الخاص ..

-------

مع الزمن زادت المؤامرات ضد الامبراطور تدريجيا , وبدأ الجميع حوله يدركون ان سقوطه مساله وقت ليس إلا ..
وكان كل يوم يمر , يستيقظ الامبراطور من نومه ليجد شخص او اثنان من حاشيته المقربون قد فرا من القصر وتخلوا عنه , ساءت حالته النفسيه كثيرا , الا انه اعتاد ذلك الحادث مع تكرارة يوما بعد يوم ..

كان رستم بصفته فرد من الحاشيه , يسمعهم باستمرار يناقشون الاوضاع السياسيه ويحاولون ترتيب امورهم إن كانوا سيبقون مع الامبراطور او سيتخلون عنه , الى ان سألوة عن توجهه فى احد المرّات , فأطرق قليلا ثم اجابهم بانه لم يقرر بعد وان لديه امورا يريد انهائها اولا ...

فى خضم تلك الاحداث المتسارعه وانتظارا لسقوط الامبراطور الذى اصبح واقعا ينتظرة الجميع بين لحظه واخرى , كان رستم يسهر اغلب الليل فى شرفه القصر , تلك الغرفه التى تسبق غرفه نوم الامبراطور , والتى اعتاد النوم فيها اغلب الايام لحراسه سيدة ..

كانت حيرته شديدة , ولايدرى ما الذى يتوجب عليه فعله , الى ان تنحى نابليون صباح احد الايام , فقرر رستم الاختفاء قليلا حتى يستطيع تقييم الامور بشكل اوضح , واستيقظ الامبراطور صباح اليوم التالى , ليجد رستم غير موجودا على باب غرفته كما اعتاد لاول مرة بعد 14 عاما , كان الامبراطور يتوقع من جميع من حوله ان يتخلوا عنه , الا رستم , لذا فقد صدم بشدة وسائت معنوياته بشكل اكبر بسبب ذلك الموقف ...

بعد يومين من الاختفاء , توصل رستم لقرار نهائى بالبقاء مع امبراطورة , وأنهى بعض امورة الماليه وانطلق عائدا الى القصر , وهرول بسرعه الى حيث يجلس الامبراطور ووقف امامه مبتسما ...
رفع الامبراطورالسابق رأسه ببطء , ونظر الى رستم وعلى وجهه علامات الحزن وخيبه الامل , وقال له :
- رستم !!! ها أنت ..
 ثم اشاح بوجهه بعيدا عنه فى حسرة وسكت ...

اهتز كيان رستم من كلمات سيدة , وشعر بنظراته المتحسرة تخترق جسدة البدين , فتراجع ببطأ وانسحب من امام الامبراطور وتوجه لحجرته وعلى وجهه ملامح الحزن والضيق الشديد ...
انتظر رستم طوال النهار آملا ان يناديه سيدة كالعادة , إلا ان ذلك لم يحدث , كما انه اثناء ذلك اليوم سمع الخدم يتهامسون عدة مرات عن دخول الامبراطور فى اكتئاب حاد وعزمه على الانتحار ...

وفى مساء ذلك اليوم , ارسل الامبراطور الى رستم احد الخدم وطلب منه ان يأتيه بمسدساته , حيث ان رستم كان يحتفظ بمسدسات الامبراطور لديه بصفته حارسه الخاص ...
وما ان سمع رستم ذلك الطلب حتى انقبض صدرة , وتيقن من عزم الامبراطور على الانتحار فعلا ...

اسرع رستم الى المكان الذى يضع فيه المسدسات , واخذهم واخفاهم فى مكان آخر , وعندما استبطأة الامبراطور وارسل اليه يطلبهم مرة اخرى , تحجج رستم بأنهم فى بيته وانه يحتاج بعض الوقت لياتى بهم من هناك ...

اضطرب رستم وانتابته حيرة شديدة وما ان رآى احد كبار رجال حاشيه الامبراطور ويدعى تيرينيه , حتى اسرع اليه وطلب منه النصيحه , الا ان تيرينيه اشاح عنه واجابه باقتضاب وهو يبتعد عنه قائلا : ( لا اعلم , انا لا يعنينى مثل هذة الامور ) ..

لجأ رستم للخدم كى يستشيرهم فاجابه بعضهم بأن الامبراطور اذا انتحر الليله فسوف يعتقد الجميع ان رستم تآمر مع الدول الاجنبيه ضدة وان له يد فى مقتله ...

ذعر رستم بشدة من فكرة اتهامه بخيانه سيدة , فالمملوك نشأ على ان سيدة خط احمر , وان طاعته امر ملزم وغير قابل للنقاش ..
سيطر الذعر على عقل رستم وشل الجزء الذى كان لايزال يعمل فيه , فاغلق على نفسه غرفته ثم تسلل خارج القصر فى منتصف الليل واختفى للمرة الثانيه ...

عاد رستم لمنزله وظل فيه , وبعد ايام تم نفى نابليون الى جزيرة ألبا , وبدأ عهد جديد فى فرنسا ..

وبعد فترة نجح نابليون من الفرار من منفاه , ودخل باريس على اكتاف الجيش والشعب , وعاد نابليون امبراطورا لفرنسا , لمدة 100 يوم فقط , قبل ان يتم خلعه ونفيه مرة ثانيه وبشكل نهائى الى جزيرة سانت هيلانه , حيث بقى هناك الى ان مات مسموما بعد فترة ..

كان رستم يائسا من ان يسامحه سيدة او ان يتفهم موقفه , لذا فقد آثر الابتعاد عن المشهد , الا انه بعد عودة نابليون ومع الايام تدفق كل ما تخلوا عن الامبراطور لقصرة مجددا وطلبوا منه العفو , وكان يسامح كل من يعود اليه ولم يرفض احدا او يردة ...

ولد بداخل رستم امل فى ان يسامحه سيدة , إلا انه لم يكن يجرؤ على مواجهته , فهو لا يحتمل المزيد من نظراته المتحسرة اليه كما حدث مسبقا , فلجأ لاحد رجال نابليون المخلصين وقدم اليه خطابا يشرح فيه موقفه , على امل ان تخف وتيره غضبه عليه بحيث يمكنه مقابلته بعد ايام ..
وبالفعل , قدم الرجل الخطاب لنابليون , وهو واثق من انه سيعفو عن رستم بكل تأكيد , ان كان قد سامح من تخلوا عنه قبل رستم بفترة , وكانوا أصلا غير مقربين مثل رستم , فكيف لا يسامح حارسه المقرب والذى بقى جوارة الى ما قبل رحيله بايام ؟!!!

الا ان نابليون بمجرد قرائته للخطاب انفعل بشدة والقى به فى نيران المدفأة وصرخ قائلا : رستم ... ذلك الخائن الجبان , كلا , لن اقبله فى حاشيتى مرة اخرى , ولا اريد ان اراة ابدا ...

وقبع رستم فى منزله بباريس اثناء حكم نابليون عقب عودته من منفاة الاول , وبعد نفيه للمرة الثانيه اطلق رستم لحيته وعاش فى هدوء كأى ماوطن باريسى ثرى , الا انه بعد فترة لاحظ قيام بعض الاجهزة الامنيه بمراقبته , تلك الاجهزة التى تم تكليفها بمتابعه من بقى من حاشيه الامبراطور المخلوع خشيه ان يقوموا بتدبير اى مؤامرة ضد السلطه الجديدة وزاد قلق السلطه منه حينما تقدم بطلب السفر الى لندن ..

حينها تم استدعائة للتحقيق امام احد أشرس رجال البوليس فى القصر الملكى , هناك سألوة عن اسباب ترددة على لندن باستمرار , واجاب بهدوء وثقه انه رجل مسالم ولا يذهب اليها الا للترفيه ولتسويه بعض اعماله الماليه...
ارسلت الشرطه خلفه احد رجالها متنكرا , حيث تاكد من صدق رستم وانه رجل مسالم ولا صله له باى عمل سياسى او تآمرى .. وتم غلق ملف رستم فى الداخليه الفرنسيه ...

الا ان اسمه قد تردد مرة اخرى وبقوة فى أروقه البوليس عقب فتح احد التحقيقات حول اسلحه نابليون وحروبه , وقد تورط فى هذا الامر احد صانعى الاسلحه ضمن حاشيه نابليون , ومع الاسف كان هذا الرجل على صله صداقه قويه برستم , مما زج باسم رستم فى الموضوع واصبح معرضا للاعتقال فى اى لحظه ...

تدخل شخص نافذ كانت تربطه صداقه قويه برستم , وطلب منه ان يغادر باريس ويستكمل حياته بعيدا عنها فى هدوء على ان يتم غلق ملفه ويستبعد ذكر اسمه من اى تحقيق قادم ...

واستجاب رستم وصفى اعماله فى باريس وباع منزله واختار تلك المدينه الهادئه ليعيش فيها ما تبقى من عمرة فى هدوء , مستمتعا بهوايته المحبوبه فى الصيد وتربيه الكلاب ..

--------

وها هو ذا ... رستم ... حارس الامبراطور الخاص وحامل سلاحه .. يجلس فى احد اركان منزل عمدة المدينه ... يراقب رواد الحفله فى صمت ... يستعيد ذكريات ماضيه ومغامراته ... ذلك الماضى الذى لا تعكر صفوه سوى تلك النقطه السوداء ....

أنا لست خائنا ... لم اتخلى عن سيدى ... انها الحيرة ... الارتباك فى اللحظات الحاسمه ... سوء تقدير ربما .. سوء حظ ..

لكنى لست خائنا , ولو عاد بى الزمن مرة اخرى لمااخطأت التصرف كما حدث ...

.... او لربما فعلت .... لا أدرى ...




لقد طعنت فى السن , وشاب شعرى , وأصبحت ايامى الهادئه المتبقيه معدودة , الا اننى اسعد حظا من اقرانى , فلم يكتب لأغلبهم ان يمتد بهم العمر ليعشوا ويشاهدوا ما شاهدته ..
اغلبهم قتل فى مصر فى العشرينيات من عمرة , او الثلاثينيات على الاكثر , ومن بقى منهم وصعد لمنصب اكبر , ربما عُتق واصبح سيدا عظيما , ربما صار بعضهم من الامراء , الا ان كل هؤلاء قضى عليهم حاكم مصرالجديد ( محمد على ) من سنين ...

انا محظوظ وسعيد ولا شك فى ذلك , لولا تلك النقطه السوداء التى تؤرق ضميرى دائما ..

ولكن من قال ان هناك إنسان راضى عن حياته بشكل كامل ؟!! لا يوجد هذا النوع من البشر بكل تأكيد ...


ها انا ذا,
اراقب رواد الحفله , اشاهد ابنتى الجميله اشيل وهى ترقص مع اقرانها ,
وفى الجانب الاخر تجلس زوجتى العجوز منهمكه فى احد المناقشات مع جاراتها ....

بعد بضع سنوات سأواجه الموت ,
سأواجهه فى فراشى , لا فى ساحات القتال كما كنت اعتقد طوال عمرى ...
ياله من عدو مراوغ , ياتى دائما للانسان من حيثما لا يتوقعه,
يأتى فى الفراش لمن عاش عمرة ينتظرة فى ساحات المعارك ,
ومن تمنى الموت فى فراشه يأتيه قتلا ..

وفى النهايه كلنا أموات ..


بعد ان عشت حياة صاخبه , سأقبع فى هدوء تام فى حفرة صغيرة 
عليها شاهد رخامى انيق ,
مدون عليه اسمائى المتعددة,
كما دونت قصه حياتى شخصياتى المتعددة ايضا ,
- المملوك المخيف ,
- المقاتل الشرس ,
- الخادم المخلص ,
- الانسان الطيب البرىء المسالم

مجرد شاهد قبر
كتب عليه :
هنا يرقد رستم رازا
او
ابجاهيا
او
بابا تام
الحارس الشخصى للامبراطور نابليون
ومملوكه الاثير
وحامل مسدساته
من مواليد جورجيا...


 ----------

سيحاول اغلبكم تقييم شخصيتى من منظور الابيض والاسود ,
الطيب والشرير ,
وستشعرون ببعض الامتعاض ,
والارتباك ربما ,
فالكثيرون منكم لم يعتد تلك الشخصيات المعقدة ,
المتناقضه المتعددة الجوانب ,
العميقه .. صعبه الدراسه والتحليل ,
الكثيرون منكم لا يستطيعون سوى رؤيه اللونين ,
الابيض والاسود ,
وقد غاب عنكم ان الحياة فيها الكثير من الالوان غيرهما ,
مازال امامكم الكثير لتشاهدوة ,
والكثير من الخبرات لتعايشوها ,
وحتى ذلك الحين ,
يؤسفنى ان اخيب آمالكم ,
فأنا لست بالابيض ,
ولست بالاسود ..

انا اكثر من مجرد لون
انا إنسان ...



*ملحوظه : شخصية رستم السابق ذكرها فى هذا البوست هى شخصيه حقيقيه , وكذلك كل الاحداث السابق ذكرها هى ايضا احداث حقيقيه حدثت بالفعل , والصورة الموجودة اعلى البوست هى صورة حقيقيه لرستم تم رسمها له فى باريس فى مطلع شبابه ..