الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

المدينه الملعونه (2) ..



(2)..
فى الايام القليله اللاحقه,
كان الكلب يتسلل ليلا فى جُنح الظلام,
ويعقد عدة اجتماعات غامضه..

فذات ليله تسلل الى جبل المعبد,
واجتمع بالكهنه,
وقال لهم :
  قد انتهى عصر استبداد الضبع,
وانا عبد مخلص للآلهه,
ومحب للكهنه العظام,
والمدينه فى أمَسْ الحاجه إليكم,
انزلوا الى الناس,
وأنهوا الفتنه,
والمدينه كلها لكم,
فانا لست بطالب سلطه او مال,
إن نجحتم فى السيطرة على الفتنه,
فدونكم والعرش,
أرفعوا عليه من شئتم
واقيموا دوله المعبد الاولى..

وهنا,
تهللت وجوة الكهنه,
وسال لعابهم الى العرش,
فصاحوا فى فرح :
المجد للمعبد ... المجد للآلهه
وجمعوا انفسهم تمهيدا للنزول باكملهم الى قلب المدينه..

فى اليوم الذى قبله,
كان الكلب قد صعد الى جبلايه القرود على أطراف المدينه,
وقال لهم نفس الكلام,
وسال لعاب كبراء القرود,
فهم لم يظفروا بشىء من السلطان,
رغم سعيهم ثمانين عاما خلفه,
والآن...
جاء لهم العرش نفسه على طبق من ذهب,
وأصدر ملك القرود أمرا,
بأنه من صباح الغد,
ينزل القرود بأكملهم  لقلب المدينه,
ليبدأوا فى السيطرة عليها..

وفى اليوم السابق لإجتماع الكلب بالكهنه,
كان قد اجتمع بزعماء العسس المختفين,
وعقد معهم إتفاقا,
يقتضى بتحريضهم لعدد كبير من اللصوص والعُيّار,
ان ينزلوا المدينه,
وينهبونها ويروعون اهلها,
وقد كان..

حينئذٍ..
ضج اهل المدينه بالشكوى,
وطلبوا العون من الكلب العظيم,
صعد الكلب الى منبر المدينه,
واخذ ينافق أهلها,
ويبالغ فى توقير انتفاضتهم الفاشله..
وتمايل الشعب مخمورا من لذة رياء ونفاق الكلب,
حتى اتسعت آذانهم لاقصى مدى,
واصبحت مهيأة تماما لإلقاء اى شىء بها,
قال لهم الكلب :
شعبى الثائر الحبيب,
ان حاميتى لا طاقه لها بالتصدى للعُيّار واللصوص,
فهم جنود شغلهم الحروب,
ولا طاقه لهم بإصطياد اللصوص من الشوارع والحارات,
ذلك هو شأن العسس..وتلك وظيفتهم,
الذين قاتلتموهم وطردتموهم منذ ايام,
فانتشر اللصوص فى مدينتهكم الجميله,
لانها خاليه من عسسٍ يردعونهم..

ظهرت على وجوة الجماهير علامات الامتعاض,
فصاح احدهم :
عليك اللعنه ايهاالكلب الكاذب,
لقد تفشت السرقات والنهب,
فى عز سلطان العسس,
وقت ان كانوا مسيطرين على المدينه,
وكم استغثنا بهم حينئذ,
فلم يجيبونا,
ولم يكن للعسس شغل حينها سوى اذلالنا وسرقتنا وقمعنا,
وحمايه قصر الضبع ,
لا أمان مع العسس الخونه..

تعالت صيحات الاستنكار من الجموع,
واسكتوا الرجل والقوا به بعيدا,
واخذت الجماهير فى الصياح :
نريد عودة العسس,
العسس يحموننا من اللصوص,
احنا آسفين ياعسس,
نعم..
نعم..

وحينئذ تسلل الكهنه والقرود وسط الجماهير,
واخذوا يمجدون ويعظمون الكلب,
ثم أثنى الكاهن الاعظم على رجال العسس,
وعلى ايمانهم .. وعلى وطنيتهم وطاعتهم للآلهه,
وقال لأهل المدينه :
ان من يعتدى على العسس هو عدو للآلهه..

تصايحت الجماهير :
نعم
نعم
فليعود العسس

ابتسم الكلب فى خبث , ونزل من على المنبر فى صمت...

فى الايام التاليه نكل الكلب بمن خالفه من ثوار المدينه,
وبرر فعله بانهم خونه ومن أعوان ملك المغول,
وصعدت الكهنه والقرود الى كل منابر المدينه واخذوا فى سب ولعن مخالفى الكلب,
وأطاعتهم الجماهير,
وخلت الساحه للكلب يفعل ما يشاء..

وفى الايام التاليه,
تكررت حوادث غامضه,
اذ ظهر فى طرقات المدينه,
اشخاص ملثمون,
واخذوا يحرضون اهل المدينه على بعضهم البعض,
ونفخ الكهنه فى النار,
فقامت مشاجرات عدة بين اهل المدينه وبعضهم,
تكررت كثيرا واستمرت لوقت طويل,
وصعد الكلب ثانيه لمنبر المدينه,
يبكى وينعى اهلها,
ويلعن الفوضى والدمار,
ويترحم على ايام الاستقرار والأمان فى اشارة ذات مغزى..

إلا ان كل ذلك لم ينجح فى إلهاء جماهير المدينه عن الضبع اللعين,
فكانوا أينما ذهبوا يطالبون برأس الطاغيه,
وكان الضبع قد توارى عن الانظار منذ مغادرته للقصر,
وفشل الكلب فى ان يحمى سيدة او ان يجعل شعب المدينه ينساة,
فما كان منه الا ان تجاهل مطالبهم برأس الضبع..

وذات يوم,
ضج أهل المدينه,
واتفق كثير منهم على الاجتماع فى الميدان الاعظم,
للمطالبه برأس الضبع السفاح,
وسرت اشاعات فى المدينه,
عن تمرد بعض من جنود الحاميه,
وانهم سيجتمعون بالميدان مع المواطنين...

أرتعدت مفاصل الكلب,
ولكنه قدح ذناد فكرة,
أشار عليه معاونوة ان يسحق الميدان,
ولكنه نظر طويلا الى السماء,
ثم قال لهم :
كلا,
عندى خدعه ماكرة,
وارسل يستدعى القرود والكهنه , وعقد معهم اجتماعا مغلقا ...

فى اليوم التالى تجمعت الجماهير فى ساحه الميدان,
واندست القرود والكهنه وسطهم بكثافه,
ثم تسلق بعض القرود الأماكن المرتفعه فى الميدان,
واخذوا يمجدون انتفاضه المدينه وبساله اهلها,
ويلعنون الضبع خائن الوطن,
وتقدم احد القرود,
وأخرج من معه تمثال صغير على شكل الضبع,
وقال :
هذا هو الضبع ,
وسوف احاكمه الان..
ووضعه أمامه وأخذ يخاطبه كأنه متهم ويعلن عليه تهما ثم حكم عليه بالاعدام , فهللت الجماهير!!!

أنجذبت الجماهير الى القرود,
وتجمعت حولهم,
واخذوا يراقبون مسرحياتهم الهزليه فى فضول,
ونجحت القرود فى جمع أهالى المدينه حولهم,
واصبحوا يسيطرون عليهم سيطرة تامه,
وفجأة..
ظهر من بعيد,
مجموعه من جنود الحاميه,
وقد ارتدوا فوق ازيائهم العسكريه عباءة الشعراء القرمزيه,
مثبت فى وسط كلا منهم غمدا بلا سيف,
وقد حمل كلا منهم فى يده بدلا من سلاحه آله موسيقيه,
بعضهم حمل عوداً,
والبعض الآخر حمل ناياً,
ودخلوا الميدان وسط دهشه الجماهير,
واخذوا يتلون أشعارا جميله,
عن مجد المدينه,
وعن انتفاضه شعبها,
كان شعرهم بليغا,
وعزفهم مؤثرا,
وبدأت الجماهير تلتفت لهم,
قالت الجنود للجماهير :
نحن أبناء حاميتكم,
حماة مدينتكم,
نصدقكم القول,
ولا نكذبكم ابدا,
الحق..
والحق نقول لكم,
ان الكلب ماهو الا خائن لعين,
وانه يحمى الضبع منكم,
ولا ولاء له الا للضبع ولملك المغول,
فلا تصدقوة...

حينئذ,
اخذت القردة تتصايح,
وتتقافز فى الهواء حول الجنود,
وتصدر صراخا عاليا,
حتى لا يسمعهم الناس,
ونجحوا فى ذلك,
وظهرت من بين الصفوف,
احد مجذوبات البهاليل,
وأخذت تصرخ فى هستيريا :
هؤلاء خوووووونه,
اعداااااااااء الوطن,
اعداااااااااااااء الانتفاضه,
المووووت لهم,
ارجموهم بالحجارة..

واخرجت من طيات ملابسها عددا من الصخور الصغيرة واخذت فى القائها عليهم!!

وكانت تلك المرأة من مجاذيب المدينه,
تسير طوال اليوم فى طرقاتها بثياب رثه ومهلهله,
وتتغنى عن الحق والعداله والمساواة,
وكان كثيرون من اهل المدينه يعتقدون فيها,
انها مكشوف عنها الحجاب,
وانها من الاولياء الصالحين!
فلما فعلت ما فعلت فى الميدان,
استجاب لها عدد كبير من المواطنين,
واخذوا فى قذف الجنود بالحجارة,
فالتف حولهم قله ممن صدقوهم,
وحموهم من بطش الجماهير الغاضبه..

 وسحبت القرود الجماهير بعيدا عن الجنود المتمردون,
واخذوا فى الهائهم بقفزات أكروباتيه حتى انتهى النهار واظلمت السماء,
فقالت القرود للجماهير :
يا اهل المدينه المساكين,
انكم تبدون متعبين للغايه,
ارحلوا الى منازلكم ترحمكم الآلهه..

قالت الجماهير :
والضبع اللعين؟
فاجابت القردة :
إنكم قد اعلنتم رغبتكم الى الكلب الزعيم,
وأمليتم عليه ارادتكم,
وانه لا يسعه مخالفتكم بعد ذلك,
وانه ولا شك .. سيحترم رغبتكم,
ويقدم الضبع الى المحاكمه,
فهو كلب وطنى مخلص..

أومأت الجماهير رؤسها موافِقه وبدأت فى الإنصراف من الميدان,
وبقى الجنود المتمردون وحدهم فى قلب الميدان,
يرتعدون من الخوف,
فتوقف حولهم بعض المواطنون بعد ان كانوا قد هموا بالانصراف,
وكانوا هم نفسهم من حموهم نهار ذلك اليوم من قذف البهاليل لهم بالطوب,
قالت لهم الجنود :
اننا هالكون لا محاله..
فاجابتهم الجماهير :
اننا نعلم انكم صادقون,
واننا لا نصدق هراء القرود والكهنه,
ونشعر ان الكلب خائن ويدبر مؤامرة ما,
لن نغادر الميدان..
سنمكث معكم ايها الجنود الاوفياء المخلصون,
سنحميكم بأرواحنا,
حتى يقضى الإله أمرا كان مفعولا..

واجتمع حولهم بضع مئات من الجماهير,
ومالبثوا غير قليل,
حتى دخل الميدان جلاد الكلب,
وعينيه يقدح منها الشرر,
وطالب الجماهير بتسليم الجنود المتمردون,
وأغلظ لهم فى القول,
فسبته الجماهير واعتدت عليه,
فخرج غاضبا من الميدان وهو يهدد ويتوعد,
واستشعر الجنود الخطر,
وقالوا لمواطنيهم انها مسأله وقت,
وانهم لا قبل لهم بالجلاد وجنودة,
وعرضوا عليهم ان يسلموا انفسهم له طواعيه,
فرفضت الجماهير..

وبعد لحظات,
ظهر خارج الميدان عدد ضخم من جنود الحاميه,
وأحاطوا بالميدان من كل جانب,
كانوا يرتدون جلودا مسلوخه لضحاياهم,
ويضعون على رؤسهم قرونا عظيمه,
وكانت أعينهم تبرق فى الظلام,
وبأيديهم سيوفا حادة لامعه..

أرتعب كل من بالميدان,
فهم لم يشهدوا جنود الحاميه بتلك الهيئه البشعه من قبل..
ووقف الجلاد على رأس الجنود,
وامرهم بالهجوم,
فانطلقوا كالصاعقه,
 يحصدون ما يقابلهم بسيوفهم,
ويصرخون صرخات مخيفه,
ولم تصمد امامهم صفوف الجماهير كثيرا,
وما هى الا لحظات,
حتى اخترقوها,
وحملوا الجنود المتمردون من قلب الميدان,
وتشرذمت الجماهير خارج الميدان بعد ان أثخنتهم سيوف جنود الجلاد بالجراح,
وتم للكلب ما أراد,
فلم يكتفى بذلك,
اذ امر كل حكماء المدينه المزيفين,
بأن ينتشروا فى طرقات المدينه,
ويغسلوا عقول الناس,
ويملأوها بالاكاذيب,
وقد كان...

ومن ضمن هؤلاء عبدٌ اتى لاجئا للمدينه منذ سنوات,
قادما من قبيله بعيدة فى اقصى الصحراء,
فأكرمه اهل المدينه وأحسنوا استقباله,
وما لبث حتى وصل الى القصر الملكى,
وأصبح من حكماء الصف الثانى,
او صمامات الامان كما اتفق العسس على تسميتهم,
وكان طول الوقت ينزل المدينه,
يتغنى بالانتفاضه وبقيم الحق والعداله,
وكان كلامه معسولا يجد طريقه الى قلوب الجماهير,
فصدقوة وآمنوا به..

نزل ذلك العبد الى السوق,
واخذ يصرخ فى الناس,
ايااااكم وتصديق الجنود المتمردون الخونه,
فانهم عملاء لجيش المجوس القابع خارج اسوار المدينه,
اياكم والانقياد ورائهم,
ولا تصدقوا الا الكلب المخلص الوفى,
فانه اشد اهل تلك المدينه ايمانا ووطنيه,
وحاميته الباسله الشريفه,
من المحال ان تمتد يدها اليكم بسوء,
ان ما فعله الجنود المتمردون امس,
هو خطه ماكرة,
لتشويه سمعه الحاميه,
حتى تكرهونها,
ويسهل على المجوس اقتحام مدينتنا المنيعه الحصينه ذات الاسوار العاليه !

وأخذت الدرويشه البهلوله ايضا تولول فى طرقات المدينه,
وتلعن الجنود الخونه,
وتمجد فى الكلب العظيم,
واجتمع حولها الدهماء والرعاع,
ووافقوها على كل ماتقوله,
وصاحت الجماهير :
الموت للخونه..
الموت للمتمردون..
المجد للكلب العظيم ..

وكان هناك عددا كبيرا من جنود الحاميه يدركون حقيقه الكلب,
وكانوا يعدون العدة لخلعه,
ولكنهم بعد ان شاهدوا احتفاء الشعب به,
أُسقط فى ايديهم,
وعادوا الى معسكرهم منكسى الرأس يائسين..

ونجح الكلب,
وطاب له ملك المدينه,
وتاكد تماما ان انتفاضه اهل المدينه قد ماتت,
الا انه لم ينجح فى إلهائهم عن الضبع,
وزادت ضغوط اهل المدينه عليه,
واصبح عرشه مهددا,
كذلك شعر ملك المغول بالقلق على حليفه الكلب,
واتفق كلاهما على عقد محاكمه وهميه للضبع فى سوق المدينه,
وبالفعل,
تجمع اهل المدينه فى السوق,
يراقبون الضبع باندهاش بالغ,
وهو قابع داخل قفص حديدى ضخم,
هادىء مستكين,
ووضعوة امام منصه,
يجلس عليها قاضٍ مغمور,
واستمرت المحاكمه شهورا..
كان جنود الكلب يأتون بالضبع داخل القفص نهارا ويضعوة فى السوق لتشاهدة الجماهير اثناء المحاكمه ثم يحملونه ليلا زاعمون انهم متوجهون به الى سجن القلعه , بينما هم فى الحقيقه يعيدونه الى قصر بعيد على قمه الجبل , حيث يعيش حياته الطبيعيه كحاكم متقاعد...

كان تأثير تلك الحماكمه الوهميه بليغا على اهل المدينه , انساهم كل شىء , وفتح الباب على مصراعيه للكلب , يفعل ما يشاء كيفما يشاء ,

فكان حال المدينه كما كان تماما ايام حكم الضبع , بل واسوأ , إذ ان الكلب كان اكثر عدوانيه وشراسه من سيدة الضبع , كما ان الكهنه والقرود نزلوا الى المدينه وسيطروا عليها وعلى اهلها بشكل تااام وبلا رادع , وقد كانوا ايام الضبع يتحركون بحساب , تماشيا مع المعادله التى اقامها الضبع فى المدينه خلال حكمه...

وملأت الفوضى المدينه وأزكمت رائحه الفساد والطغيان الانوف , وصار اهلها فى وضع لا يطاق
وسقط المئات منهم قتلى فى حوادث غامضه ... وسط صمت مريب من الكلب..
واجتمع عدد من اهل المدينه الذين شاركوا فى انتفاضتها الفاشله , وقالوا لبعضهم ان الامور من سىء لأسوأ , وان لمن مات عليهم حقا , وقاموا على قلب رجل واحد الى الميدان الاكبر..
وما ان وصلوا هناك حتى فوجئوا بجحافل من العسس تنتظرهم وقد تسلحوا بالدروع والسيوف اللامعه , ودخل المواطنون معهم فى معركه يائسه اخيرة ..

وتراصوا صفوفا, وتقدموا ناحيه العس وقذفوهم بالحجارة , فكان كلما أسقطت حجارتهم واحدا من العسس , أسقط العسس منهم العشرات بسيوفهم وسهامهم ... وامتلأ شارع الظلام الكئيب المجاور للميدان الاكبر بجثث الثوار , واثخن العسس فيهم قتلا وجرحا ...
الغريب انه عندما سُئِل الثوار عن نيتهم لإقتحام بيت العسس الذى كانوا على بعد خطوات منه , نفوا ذلك , ولم يعرف احد حتى الان لماذا دخلوا تلك المعركه اليائسه التى بلا طائل ولاهدف..

وأخذ الكلب يولول على منبر المدينه ويقول للناس ان اللصوص اجتمعوا فى شارع الظلام وانهم يقتلون جنود الحاميه والعسس البواسل ..
كان اهل المدينه يعلمون جيدا ان الكلب كاذب, ولكنهم ان واجهوا انفسهم بذلك , فسيكونون امام حقيقه مؤلمه , ان اخوانهم يذبحون فى شارع الظلام , وان انتفاضتهم القديمه قد سرقت , وذلك يستوجب ان يهبوا لإنقاذ اخوانهم واسقاط الكلب الخائن ...

ولكن هذا امر صعب , ويتكلف الكثير من الدماء ... واهل المدينه مسالمون , لا يحبون لون الدماء ..
ولكن ان سكتوا ... كيف يواجهون ضمائرهم ؟؟
فكان الحل الأسهل , ان يقنعوا انفسهم ان الكلب صادق فى كل ما يقول , وان من بشارع الظلام لصوص ...
وسار كل اهل المدينه لشئون يومهم , وهم يرددون بينهم وبين انفسهم ( الكلب صادق .. الكلب صادق )
وكانوا اذا ما مروا بجوار شارع الظلام اشاحوا بوجوههم بعيدا حتى لا يروا جثث الضحايا
واذا استغاث بهم الثائرون سدوا آذانهم باصابعهم حتى لا يسمعون صوت إستغاثاتهم ..

وكان قد نما الى علم كبراء القرود ان الكلب ينوى ان يغدر بهم كما فعل معهم الاسد من قبل , فاستغل القرود مذبحه شارع الظلام واستغلوا موقفه الحرج فى مساومته , مما اضطرة للرضوخ لإرادة القرود ووافق على منحهم مجلس مشورة المدينه ..
وكان القرود اثناء احداث شارع الظلام قد تسللوا وسط الثائرين و نجحوا فى خداع بعض السذج وضعاف النفوس منهم , وتملقوهم بمعسول الكلام , واشادوا بوطنيتهم وثوريتهم , ثم استقطبوهم تدريجيا وضموهم الى الجبلايه , وظهرت طائفه جديدة من الثوار ( المتقرّدون ) , يخدعون الناس ويروجون للاكاذيب تحت غطاء أنهم كانوا دائما فى صفوف الثائرين , ويروجون الدعايا بشكل غير مباشر بما يصب فى النهايه فى مصلحه القرود ..

وصعد الكلب الى منبر المدينه , واخذ يتباكى , وقال للناس انه ليس بطالب سلطه , وانه سيعقد مجلس مشورة لتسيير أمور المدينه , يتم تشكيله بناء على رغبه الجماهير الساذجه العمياء المنقادة للكهان والقرود , وانه بعدها سيسلم القصر لحاكم تختارة نفس الجماهير البلهاء العمياء ..

وكفت الجماهير عن البكاء على ضحايا شارع الظلام ونسوهم , وانشغلوا بمجلس المشورة , وصعد المتقردون على كل منابر المدينه وقالوا للناس ان شهداء شارع الظلام ماتوا من اجل مجلس المشورة , وان مجلس المشورة هو هدف أسمى , وثمن مناسب لدماء من ماتوا ..
وبالطبع لم تجد الجماهير العمياء امامها سوى الكهان والقرود ليمثلونهم فى مجلس المشورة ..
وكيف تنتظر اختيارا حرا من بلهاء عميان جوعى سلموا زمام امورهم لكهنه معبدهم وقرود غابتهم ؟!!

وكانت اجتماعات مجلس المشورة فضيحه بكل الاشكال , إذ ما ان ينعقد المجلس حتى تتقافز القرود فى الهواء فوق الكراسى وتتعلق بسقف المجلس وتصدر اصواتا قبيحه , بينما يضع الكهان تماثيلا للآلهه فى وسط القاعه , ويتراقصون حولها فى هستيريا بالغه , ويتخلل تلك المهزله من حين لآخر وصلات مدح ونفاق للكلب المؤمن الحكيم ..

فى ذلك الحين كان احباء الضبع يطوفون فى الشوارع ويسخرون من اهل المدينه على انتفاضتهم الفاشله ومجلس مشورتهم الهزلى , ويبكّتونهم بانهم كانوا يعيشون فى رغد ايام الضبع وانهم ارتكبوا خطأ بشعا عندما تمردوا عليه وأسقطوة ..

وأعلن الكلب عن اول اقتراع حر فى المدينه يختار فيه مواطنيها العميان من يحكمهم
وهرع ثوار المدينه الى الاقتراع فى سعادة , بينما اخذ المتقردون يتقافزون فى الهواء ويقولون للناس ان الاقتراع تتويج لثورتهم المجيدة..

وقد كان للضبع حيوان ( إبن آوى ) مدلل اليف , يرعاة في قصرة لسنوات , وكان الضبع قد عينه فى ايامه الاخيرة مساعدا له قبل احداث الهجوم على الميدان الاكبر , قبل سقوطه بأيام ..

وقد استغل ابن آوى الفرصه وقام بتقديم نفسه للجان الاقتراع , وأيدة حلفاء الضبع وبعض المواطنين الذين كانوا مستمتعين بحاله الترهل التى تميز بها عصر الضبع ..

وقام القرود كذلك بتقديم ( الغول ) كمرشح يمثلهم للاقتراع ..
والغول هذا هو ذكر غوريلا ضخم مخيف ذو لحيه شهباء كثه , كان قد انضم للقرود من بضع وثلاثين عاما تقريبا , وتدرج فى مناصبهم حتى صارت كلمته نافذة على ملك القرود نفسه , وكان ملك القرود مجرد واجهه يحكم الغول قبيله القرود من خلفه ويديرها بشكل كامل ..

وكان الكلب قد يئس من اعادة سيدة الضبع الى القصر وقوبل طلبه بالرفض التام من سيدة الاكبر ملك المغول , ففكر الكلب فى تصعيد إمّعه لكرسى العرش , يضمن ان يجعله واجهه تسمح له بالاستمرار فى ادارة المدينه من خلف الستار , وكان الكلب يعرف الغول ومكرة جيدا , ويعرف انه ليس بذلك الإمّعه , كما ان بينهم ثأر مسبق ... فأمعن الكلب الحيله حتى نجح فى اسقاط الغول من قوائم الاقتراع ..

وكان الغول ذكيا , وفطن للعبه هو وملك القرود , فصعّدوا بديلا يمثلهم , قرد تافه حقير من قرود الجبلايه عالى الصوت قليل الفعل , كثير القفز والتنطيط والصياح ... ووقع الكلب فى الفخ , وسال لعابه لِما رآة من سذاجه ذلك القرد التافه , وعقد العزم على إعمال الحيله لتصعيد ذلك القرد الإمعه لكرسى العرش ..

وكان الكلب لا يطمئن لابن آوى ان صعدة للعرش , فكلاهما محارب وابناء كار واحد .. لذلك فقد وجد الكلب الاختيار النموذجى والامثل فى القرد المجنون , ولاسيما ان تلك كانت ارادة ملك المغول ايضا ...

احتال الكلب وساق الجماهير كقطعان الاغنام الى لجان الاقتراع والقرود والكهنه والمتقردون على ابوابها يتقافزون ويغنون اغانى ركيكه عن الحريه والعداله , وطاوعتهم الجماهير العمياء !!

ووجد اهل المدينه نفسهم فى حيرة , فهم بين اختيار ابن آوى مساعد الضبع المدلل , الذى كانوا قد انتفضوا ضدة من أشهر , وبين انتخاب القرود وما ادراك ما القرود..
واستغلت القرود الفرصه وظلوا يسبون ويلعنون ابن آوى ويقولون للناس انه سبب كل الكوارث التى حدثت والتى لم تحدث بعد , حتى وقر فى اذهان البلهاء ان ابن آوى اسوأ من الضبع نفسه , فتوجه الكثيرون منهم لاختيار القرد!!
والبعض الاخر كان يكرة القرود ويعلم حقيقتهم فآثر اختيار ابن آوى!!
والبعض اختار أبن آوى لانه تلميذ الضبع العظيم..
بينما قال البعض الاخر ان ابن آوى  سىء وان القرود اسوأ منه , واعلنوا مقاطعه المسرحيه ..
  

واخذ الكلب بعد ذلك فى مساومه الغول وملك القرود لاعلان نجاح قردهم التافه , والا فسيعلن فوز ابن اوى الذى سينكل بهم ويطردهم لأطراف الغابه مرة اخرى , ووصلت المساومه لطريق مسدود .. الا ان الغول وملك القرود رضخوا فى النهايه ..
واعلن الكلب انه قام بمهمته على اكمل وجه وانه سيسلم المدينه للقرد المنتخب حسب ارادة الشعب..
وفعلا سلّم القصر للقرد , الا ان الكلب احتفظ بالتاج لنفسه وتوجه لقلعته عند باب المدينه بعد ان زرع رجاله فى المناصب الهامه والتاج فى يدة!
الا ان القرود تجمعوا حوله وظلوا يتقافزون فى كل مكان والكلب العجوز ينظر اليهم فى حيرة , حتى داخ ودارت رأسه وسقط التاج من يدة , فالتقطه القرد الحاكم بسرعه واخذة وجرى الى القصر..
لا احد يعلم كيف تم ذلك على وجه التحديد,
البعض قالوا ان ماحدث هو مجرد تمثيليه اتفق عليها القرد والكلب,
والبعض الاخر قال بأن القرود اخذت الكلب على حين غرة,
ولكن الثابت ان الكلب الان ينعم فى قصرة بالخيرات التى نهبها من المدينه على مدى سنوات قيادته للحاميه ,  ولا يوجد احد يجرؤ على الاقتراب منه ...

واعلن القرد انه اسقط حكم الكلب وازال سلطانه , وهلل له البلهاء , الا انه عين مساعد الكلب المقرب وكان اسمه ( سو.. سو ) قائد للحاميه مكان الكلب , وكان سوسو هذا هو العقل المدبر لكل ما فعله الكلب من مساوىء خلال فترة حكمه ...

ومع بدايه حكم القرد ساءت احوال المدينه اكثر مما قبل بكثير , وظهرت كتل العفن على كل جدرانها بوضوح , وانتشرت فى كل ارجائها رائحه كريهه للغايه , وامتلأت بالثعابين والعقارب والحيّات , واصبح اهلها فى وضع لا مثيل له فى السوء , وتصدعت كل مبانى المدينه واخذت فى الانهيار الواحد تلو الآخر , وسقط العديد من ابناء المدينه صرعى فى الطريق بدون اسباب واضحه ..

كما انتشرت اشاعات غامضه , ان القرد الحاكم يتسلل ليلا ويفتح ابواب المدينه خلسه , امام مجموعات من الكهنه المحاربون , وكانوا قد طردوا من المدينه  قديما وعاشوا فى كهوف الجبال فى اطراف الصحراء , وحكى الاهالى لبعضهم البعض , انهم استشعروا فى بعض طرقات المدينه كهنه  بلحى كثه وثياب مقاتلين , ومدججين بالسيوف والخناجر , ويختلفون شكلاً عن كهنه المعبد ..

ووسط كل هذة الفوضى نصب القرد المهرج ( الحاكم الجديد ) قاعدة خشبيه امام باب القصر ووقف عليها واخذ يردد فى الجماهير كلام أجوف يمليه عليه الغول الواقف خلفه فى صمت , ولكنه بين الحين والآخر يفقد زمام نفسه ويغلبه طبعه فياخذ فى القفز والصياح كأى قرد , حينئذ يشير الغول الى فرقه من القرود تقف على الجانب وبأيديها ابواق موسيقيه كئيبه بالعزف , فتعزف الفرقه الحانا شاذة باصوات كريهه مزعجه , فتسد الجماهير آذانها ولا تنتبه لنوبات القفز والجنون التى تنتاب القرد الحاكم ..

وعلى بعد خطوات , نصب كهنه المعبد قاعدة اخرى ووقفوا فوقها يصرخون ويرقصون فى هستيريا ويصيحون فى الجماهير قائلين :
كل ما اصابكم من لعنه ودمار انما هو من غضب الآلهه عليكم,
إذ ابتعدتم عن المعبد,
وعصيتمونا نحن كهنه الرب,
فحلت عليكم النقمه واصابكم السخط,
ولا سبيل لكم للنجاة,
الا بطاعتنا,
وتصعيدنا الى عرش المدينه,
والانقياد خلفنا اينما وجهناكم,
ولو اشرنا لكم الى الهاويه,
فلتلقوا انفسكم فيها بلا تردد,
فنحن كهنه الرب,
ونعلم مالاتعلمون,
اسمعوا لنا واطيعوا,
لا قيام لهذة المدينه الا باعلان دوله الرب,
ولا سبيل الى النجاة الا بحملنا نحن الكهنه الى العرش فى قصر الحكم..

وفى ساحه السوق
نصبت قاعدة اخرى
وقف عليها الثعلب الماكر
ذو الشعر الاشهب
واخذ يخطب فى الجماهير قائلا لهم
انه منهم واليهم
وانه نصير الفقراء والمطحونين
وانه ان حملته الجماهير الى القصر
سيجعل من نفسه خادما للفقراء
فتجتمع حرافيش المدينه حوله
ويتمايلون فى رضا وسعادة
وفى أخر النهار
يتركهم الثعلب
ويصعد الى قصرة المنيف اعلى الغابه
وفى الصباح التالى
يعود اليهم مرة اخرى
ويستمر فى تملقهم ونفاقهم

وفى مكان ليس بالبعيد
تنتصب قاعدة اخرى
يقف عليها قرد من قبيله القرود
ولكنه يحاول اخفاء نفسه
عن طريق ارتداء زى البشر
ليبدو بشريا امام الناس
ويكرر على الجماهير باستمرار
انه ليس قردا
وانه اعتزل قبيله القرود
وانه بشر مثلهم
ويعدهم بالنعيم المقيم
ان هم حملوة الى العرش

وامام باب التكيه
ارتفعت قوائم قاعدة خشبيه اخرى
وعليها الارنب الحكيم
ولكنه مختبىء تحت كومه من القش
مخرجا جزء صغير من رأسه وفمه
يسمحان له بالكلام الى الجماهير
واخذ يعلن استياءه من الحاله المزريه التى وصلت اليها المدينه
وينتقد القرود والكهنه بكلام مستتر غير مباشر ..

وقاعدة اخرى
امام الباب الحديدى لسجن القصر
والذى زعم الكلب قديما ان الضبع محبوس بداخله
يقف على تلك القاعدة
ضباع من عائله واصدقاء الضبع المخلوع
وبعض البهاليل
وعدد من المترهلون
وعدد من الجماهير توافقوا معهم
يصرخون ويولولون
ويشيرون للمبانى المتصدعه
والعفن المنتشر فى كل مكان
وجثث الضحايا الساقطين فى الطرقات
ويصرخون
ثم يقولون للمارة
هذا ما فعلتموة بأنفسكم
بخلعكم الضبع العادل الحكيم
فانكم فى عهدة كنتم فى عز ونعيم مقيم
الا انكم تمردتم عليه
وبطرتم النعمه
فحاق بكم ما انتم فيه الآن..
انكم شعب طيب كريم,
ومن المؤكد انكم لستم انتم من هاجم العسس فى تلك الليله المشئومه,
انكم والعسس احباب واصدقاء من قديم الدهر,
وعلاقتكم بهم جيدة يسودها التفاهم والاحترام ولم تشبها شائبه,
كلا كلا,
انتم طيبوووون,
محال ان تكونوا انتم الاشرار الذين هاجموا العسس,
هلموا اهل المدينه,
واخرجوا الضبع العظيم من السجن,
واحملوة على اكتافكم,
او ارفعوا تلميذة ابن آوى الحكيم الى العرش,
فترفع عنكم اللعنه وتعودوا لسابق مجدكم ..

وقاعدة اخرى امام دار القضاء
أعتلاها قاضى البلاط
واخذ يتصنع البكاء والنحيب
ويبكى ماضى المدينه المجيد
ويعاهد الجماهير
انه لا يقف إلا مع الحق
ولن يحابى القرد الحاكم على حساب اهل المدينه
وانه الى جانب الحق ايا كان
كما كان فى الماضى
وكذلك سيظل دائما

وتفرق اهل المدينه مابين القواعد الخشبيه
فبعضهم امام القرد الحاكم
يصفقون له فى فرح
وقد اندست وسطهم مجموعه من القرود
واخذوا يتصنعون النشوة والطرب كلما عزفت الابواق الكئيبه

وامام قاعدة الكهنه
وقفت مجموع اخرى
تهتف :
ربانيه ربانيه
المجد لدوله الرب
فلتقم دوله المعبد
المجد للكهنه العظام

ومجموعه اخرى امام الثعلب
يحيونه فى اعجاب
ويقولون ان لا خلاص للمدينه الا معه
ويحملون صور الاسد , قائد الحاميه الذى حكم المدينه قديما

وامام قاعدة القرد المتنكر
وقف عدد غير قليل
يشيرون اليه
ويخاطبون المارة
ويقولون لهم :
انظروا
انه ليس قردا
انه بشر مثلنا
الا تسمعونه ايها البلهاء
وهو يقول لكم انه يرتدى ثيابا مثلنا ؟
وهل ترتدى القردة الثياب ؟!!!

واخرون امام الارنب
ينصتون له فى اعجاب
وكلما نطق كلمه
قالوا ما سمعنا منك الا حقا وصدقا
كم انت حكيم ايها الارنب العظيم
انك الأحق بالعرش

وتجمهر اخرون من سكان المدينه امام باب سجن القصر
واخذوا يبكون ويتضرعون :
سامحنا ايها الضبع الجليل
يا آكل الجيف العظيم
ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا

ووقف الباقون امام  قاعدة قاضى البلاط
يهتفون
يحيا القضاء العادل
المجد لقاضى البلاط النزيه
نحن معك
نحميك ونعصمك من بطش القرود الملاعين
انت أملنا ايها القاضى الشهم ..

واستمرت تلك الاحوال وازدادت الاوضاع سوءا
وامتنع سكان المدن المجاورة عن دخول تلك المدينه
وانقطعت عنها زيارات الرحّاله
وحذر حكام المدن الاخرى رعاياهم من الاقتراب منها
لأنها مدينه ملعونه

وتطوع بعضهم
ووضع عدد كبير من اللافتات
على دروب الصحراء
المؤديه لمدخل المدينه
كتب عليها :
احذر..
مدينه ملعونه..
احذروا الشرب من نهر المدينه المسموم..
احترس..
مدينه آيله للسقوط..
ابتعد من أجل سلامتك..

...........

وتعجب الملك دبشليم
وقال للحكيم :
يابيدبا,
وكيف تلك المدينه الآن؟
اجابه بيدبا :
مولانا الملك,
لا احد يعلم ما حدث فيها على وجه التحديد,
فقد انغلقت ابوابها على سكانها منذ سنوات,
وماعاد الرحاله يجرؤون على الدخول اليها..

الا انه
فيما روى لنا معشر الحكماء
ان شابا مغامرا
قرر الذهاب لتلك المدينه
من بضع سنوات
ومعه قفص من الحمام الزاجل
ووعد اصدقائه
بأن يبعث لهم عن طريق الحمام
برسائل
من داخل تلك المدينه
يصف لهم اوضاعها
وما آلت اليه..

فسأله الملك فى حماس :
وهل بعث برسائل فعلا ؟
فقال بيدبا :
نعم يامولاى
بعث بعدة رسائل
نحفظ نحن معشر الحكماء ماجاء فيها عن ظهر قلب

قال الملك :
احكى لى اذا ايها الحكيم ...

اجاب بيدبا :
اول هذة الرسائل يامولاى,
يصف الحاله السيئه التى صارت اليها المدينه كما وصفتها لك,
بل وأكثر,
ومازالت المدينه تتساقط جزءا بعد جزء,
واهلها كلهم متجمعون امام تلك القواعد الخشبيه ومن يقفون عليها ..

واسهبت رسائل الفتى المغامر يامولاى
فى وصف اوضاع المدينه
الا ان اخر رسائله جاء فيها نبأ عجيب

قال الملك : وما هو يابيدبا ؟

قال بيدبا : وجدناها مكتوب فيها مايلى..

انه فى احد الايام
وبينما اهل المدينه مجتمعون على ماهم عليه
اذ ظهر فى اقصى المدينه
شاب غريب
شعرة ينسدل على كتفيه
يمتشق سيفا لامعا
وكان به شيئا غريبا يختلف عن باقى اهل المدينه,
انه..
غير مغمض العينين
نعم
ان عيناة مفتوحه
تومضان ببريق عجيب
واخذ يمضى نحو وسط المدينه
غير ملتفت ولا عابىء بما حوله
ومر فى طريقه  على كل القواعد الخشبيه والتجمعات
ولم يلتفت لهم
ومضى..
حتى صار فى موضع ما
وسطا بين كل تلك القواعد الخشبيه
وحيث يمكن لاهل المدينه جميعا ان يسمعوة

ووقف..
صمت قليلا..
ونظر حوله..
ثم صاح :
يا اهل المدينه..
فلم يلتفت اليه احد
يا اصحاب اللعنه..
فلم يلتفت اليه احد
ايها العميان..
فلم يلتفت اليه احد

بينما انتبه اليه بعض القائمون على القواعد الخشبيه
فأمر الغول فرقته الموسيقيه بان تعزف على ابواقها بأعلى ما تستطيع
حتى لا يسمع احد ذلك الشاب..

وبعد قليل
اخذت المدينه رجفه شديدة
فسقطت اغلب مبانيها
ومات من اهلها الكثيرون تحت الردم
وصمت من على القواعد فى ذهول
وصمت الأهالى
وساد المدينه صمت مرعب..

حينها
سَلّ ذلك الشاب سيفه من غمدة
فاصدرصوتا رهيبا
سمعه كل اهل المدينه
فالتفتوا اليه
والتفت اليه اصحاب القواعد الخشبيه ايضا
نظر الشاب اليهم طويلا
وتفرس فى وجوههم
ثم خاطبهم قائلا :
من رضى منكم عن حاله وحال المدينه
فليمضى ولا يسمعنى
ومن ساءة حاله وحال وطنه
فلينصت الى..
ايها القوم
لكَم طالت لعنه مدينتكم المحبوبه
التى كانت قديما حاضرة الدنيا
ألم تسألون انفسكم يوما
لماذا انتم ؟
ولماذا مدينتكم ؟
لقد انتفضتم مرارا
واسقطتم حكامكم مرارا
ونزفت دمائكم فى طرقات المدينه مرارا
ومازالت لعنتكم كما هى!!
الم تسألوا انفسكم
لماذا ؟
فَغَر اهل المدينه افواههم فى دهشه
وقالوا :
 لماذا ؟
اجاب الفارس :
لانكم لم تمسوا اصل اللعنه مرة واحدة
دفعتم الثمن مرارا وتكرارا
ولم تمدوا ايديكم ولو لمرة لانتزاع المقابل
كم انا مشفق عليكم يا اهل مدينتى البؤساء

اصل لعنتكم قائم منذ قرون فى مياة النهر
اصل  لعنتكم يعيشون كالملوك فى معبد الجبل
اصل لعنتكم مقيمون على منابر المدينه وعلى القواعد الخشبيه
اصل لعنتكم فيكم انتم انفسكم
فى عيونكم التى اغلقتموها منذ قرون
فى عقولكم التى امتنعتم عن استخدامها حتى صدأت
وسلمتم انفسكم كالنعاج
للكهنه والبهاليل ومتحدثى المنابر والحكام
أفلا أنبئكم بالوحش الغامض الذى قفز فى نهركم قديما فسّود ماءه ؟
انه الظلم..
الفساد..
الطغيان..
تجسد صغيرا
وتسلل الى مدينتكم خلسه
كان ضعيفا واهنا
الا انكم تجاهلتموة
وتغاضيتم عنه
حتى نما وتضخم
وصار لا قِبل لكم به
وخدعكم اولئك الكهنه الملاعين
وجعلوكم تكرموة وتعظموة
بدلا من ان تقتلوة  وتقضوا عليه
واطلقتموة فى ماء نهركم
فبال فيه وتبرّز
وشربتم كلكم من ماءه
فاصابتكم لعنه الجبن والخنوع والسّفه والجنون
وسقيتم منه حقولكم وحدائقكم
فذبلت وضمرت
وبدلا من ان تصلحوا ما افسدتموة
بالغتم فى التذلل للكهنه
واغمضتم اعينهم
وسلمتموهم رقابكم

صاح احد الكهنه :
كافر ملعون
وقال اخر:
زنديييق
وصرخ ثالث :
نجسٌ شرموووط
وقال رابع:
ان هذا الشيطان هو سبب لعنتكم ..

نظر الفارس اليهم وابتسم
ثم قال :
ان كنت كما تقولون
فما بال لعنه المدينه موجودة قبل ان أولد انا بقرون ؟!!
وما بال اللعنه اصابت اهل المدينه تحديدا حين سلموا زمام امورهم لكم ايها الكهنه ؟!!
ثم نظر لاهل المدينه
وقال لهم :
من اين علمتم ان الرب قد فوض هؤلاء الكهنه ليتحدثوا باسمه ؟
وان كان الرب يريدكم ان تغلقوا اعينكم وتسلموا انفسكم للكهنه ؟
فلم خلق لكم الرب العيون اصلا ؟
أليس ذلك بالعبث ؟!!
كان الأولى ان يخلقكم عميانا
ولكنه خلقكم بعيون كعيون الكهنه
ان الكهنه بشر مثلكم
يرون كما كنتم ترون
وليسوا آلهه

لقد شاهد اجدادكم بأعينهم قبل ان يغلقوها الوحش اللعين وهو يلتهم اهل المدينه الواحد تلو الاخر,
وعلى الرغم من ذلك أطاعوا الكهنه وصدقوهم عندما قالوا لهم انه مبعوث السماء!!

لقد شاهد اجدادكم بأعينهم ماء النهر وهو يسوّد ويفور عندما نزل اليه الوحش
وعلى الرغم من ذلك قدسوة وعظموة كما قال لهم الكهنه!!

لقد كفرتم بعقولكم
لقد كفرتم بأعينكم
لقد كفرتم بربكم
وعبدتم الكهنه بدلا منه

ولئِن نظرتم فى احوال مدينتكم
لأدركتم انه ما من مصيبه حلت بها من قديم الازل
الا ولكهنه المعبد الملاعين يد فيها

تقدم الثعلب الماكر من الفارس
وقال له :
صدقت ايها الفارس الشجاع
فامض باركتك الآلهه
وانا معك

فأجابه الفارس ضاحكا :
ألم تعلم ايها الثعلب
انه لا عقل لمن آمن شرك ؟
وحق الآلهه انى لأرى عينيك تبرقان طمعا فى كرسى العرش,
العرش ... ولا شىء سواة,
هذا كل ماترجوة وتتمناة ,
انك مخادع لئيم,
لا تريد خيرا لأحد,
ولا ترى فى الدنيا إلا نفسك,
فاغرب عن وجهى أيها المخادع,
واذهب لقصرك على أطراف الغابه,
فلا حاجه لأهل المدينه بأمثالك ..

صرخ القرد الحاكم :
ايها اللعين
انى اعرفك جيدا
انك من اعوان الضبع
وتريد ان تفسد على اهل المدينه انتفاضتهم المباركه
وتعيدهم عبيدا كما كانوا

قال الفارس :
وكيف هم الآن ايها القرد؟
احرارا ؟!
وهل قلت انا ما ادعيته على ياقرد السوء ؟
يا اهل المدينه,
هل سمعتم يوما عن بشر يحكمهم قرود ؟!!
لم تروا ما آلت اليه مدينتكم منذ ان حكمها القرد وقبيلته ؟
الم تعلموا ان مدينتكم يحكمها الغول اللعين الواقف خلفه ؟
افلا تشعرون ؟؟؟

ثم تقدم الفارس نحو القرد المتنكر
وصاح قائلا :
وهذا ..
مجرد قرد آخر
اعتقد انه بارتدائه ثياب البشر
قادر على خداعهم
ومد الفارس يدة
ومزق ثياب القرد
ثم قال الفارس للجماهير :
اة
نسيت انكم عميان
فضرب بطرف سيفه القرد المتنكر على مؤخرته الحمراء
فلم يتمالك القرد نفسه
واخذ يقفز فى الهواء
ويصيح صيحات القرود
حتى  سمعه اهل المدينه باكملهم...

ثم خاطب الفارس المجتمعون على باب السجن وقال :
وانتم
ان كنتم قد أثريتم فى عهد الضبع
وصارت لكم قصورا وحوانيت
فاعلموا
ان كل ما كنزتموة الى زوال
ان صار حال المدينه على ماهو عليه
او حتى ان عاد الضبع للعرش
فالضبع اكل الجيف
لن يزيل لعنتكم
ولن يبنى ما تهدم من انقاض المدينه
وهو نفسه من ضرب فيها معاول الفساد الأولى
وكذلك ابن آوى
لا صلاح يأتى من مفسدين
فاقد الشىء لا يعطيه ياسادة
وسواء عليكم
استمر حكم القرود
ام عادت الضباع
ام حكم ابن آوى
فترقبوا يوما
يخرج عليكم حرافيش المدينه
فلا يردعهم رادع
فيسحقون قصوركم وضياعكم
ويأكلون الاخضر واليابس
ولا يبقون منكم احدا
ان كان منكم حكيم او بعيد نظر
فسيعلم جيدا
ان الطمع يورد موارد التهلكه
وان ما جاز بالامس
لا يجوز اليوم
ولكل وقت رجال..
كفاكم يرحمكم الرب
واعقلوا ما قلته لكم ..

ثم التفت الى قاضى البلاط
وضحك كثيراً
ثم قال للناس
انظروا الى داخل السجن
واحصوا كم بريئا ومظلوما بداخله
ثم انظروا لقاضى البلاط
واسالوة
من زج بهؤلاء فى السجن
استعيدوا الايام الماضيه
ايام حكم الضبع اللعين
وانظروا
الى عداله ونزاهه قاضى البلاط
كلب البلاط
الذى خان امانته
وطوّع العداله
لخدمه الضبع اللعين
والآن
بعد ان رحل سيدة القديم
ورأى الغدر فى اعين القرود
خاف على منصبه
وتخابث عليكم ايها العميان السذج
وتشدق اليكم بالعداله
التى لم يعرفها يوما
العداله..
التى ذبحها على يديه فى كل يوم ألف مرة..
والآن..
يتشدق بها ,
لا لشىء,
إلا ليجعل منكم درعا يحتمى به من بطش القرود الطامعون فى كرسى القضاء..
افلا تذكرون ؟!!

فرفع الارنب رأسه وقال:
ايها الفارس العظيم
انك شهم نبيل
ولم تنطق الا بالحق
باركتك الآلهه

فابتسم الفارس ونظر للأرنب وقال له :
انك ارنب صالح حكيم
لم تنافق حاكم يوما
ولم تكذب على اهل المدينه ..

بخخخخخخخخخخخخ

فانتفض الارنب خائفا
واختبأ تحت كومه القش
فضحك الفارس وقال :
الارنب حكيم
والمدينه يجب ان يحكمها حكيم
ولكن الجبناء لا يناضلون
لا يتقدمون الصفوف فى الثورات
لا يقودون الجيوش
ايها الارنب العزيز
الارانب لا مكان لها على العروش
قد توجد بجوارها
الا انها أبدا
لا تجلس فوقها ..

وفجأة
اقبل من بعيد
الكلب ( سو سو )
قائد حاميه المدينه
مزهوا بنفسه
مرتديا دروعه الحربيه
كامله
فتصدر صوتا مميزا كلما مشى
وتوجه الى الفارس
وقال له :
كفيت ووفيت ايها الفارس الشهم الشجاع
وياليت كل اهل المدينه مثلك
اننا نحن معشر الجنود
نقدر اخلاصك وشهامتك
ونحن حماة المدينه
نعاهدك اننا سنسقط الخونه
واننا سوفـ.....

وهنا..
رفع الفارس سيفه
ووضعه على عنق قائد الحاميه
وقال له :
ايها الخائن اللعين
ما احقرك
أولم تعلم انه لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ؟
قل لنا من عينك قائدا للحاميه ؟
بل قل لنا
من كنت تخدم قبل ان تكون قائدا للحاميه؟
وماذا كنت تفعل ؟
إن انت الا كلبا للكلب العجوز السابق
وتابعا لتابع الضبع آكل الجيف
وكلكم خدم لملك المغول
تراجع ايها اللعين
فان بيننا وبينك بحور دماء
دماء من قتلهم جنودك ايام كنت مساعدا للكلب المسن
اتذكر ؟

تراجع ياملعون
فان لنا معك ثأرا
ومع سيدك ثأرا
ومع سيدكما ثأرا

صاح عدد من البهاليل والمتقرّدون فى الفارس :
ايها الفارس
اننا لم نرك من قبل
ولا نذكر انك كنت معنا فى انتفاضتنا المجيدة
فما الذى جاء بك الآن ؟
إننا منك لفى شك مريب..
فصاح عدد من الحرافيش :
نعم , اننا نشك فى امرك

قال لهم الفارس فى سخريه :
بل قولوا .. ( إنتفاضتكم العمياء الفاشله )
وهل كان الحق حكرا على الناجحين فقط ؟
فمن باب اولى انه ليس حكرا على الفاشلين ...
انى رأيتكم تنتفضون وانتم عميانا مغمضى الاعين
لا ترون موضع اقدامكم
ورقابكم فيها اطواق حديديه
مربوطه بسلاسل
اطرافها فى ايدى الكهنه ومتحدثى المنابر وبهاليل السوق والمتقردون
فاجيبونى بحق الآلهه
اى انتفاضه تأتى من عبيد عميان
لا يرون موطىء قدمهم
اعناقهم بايدى اعدائهم ؟!!!!

لا تلومونى
ولا تتعالوا علىّ
فانتفاضتكم ماتت قبل ان تولد
وما قتلها سواكم
وما عهدت نفسى يوما من الحمقى
الذين يلقون بانفسهم الى التهلكه
بلا منطق
وبلا وعى
وبلا مقابل
دماء قتلاكم فى اعناقكم  كما هى فى اعناق من انتفضتم عليهم,
ودمار مدينتكم تتحملون وزرة كما يتحمله القردة والكلاب والكهنه وباقى الخونه,
فأقيموا امركم,
او ارحلوا الى منازلكم ولا شأن لكم بالمدينه واهلها , وكفانا ما نالنا من حماقتكم من قبل ..

ونظر الى جنود الحاميه وقال لهم
ان لنا مع قادتكم ثأرا
فاما ان تخلوا بيننا وبينهم
واما ان تكونوا لنا اعداء

وان بيننا وبين من قتلوا اخواننا منكم ثأرا
فاما ان تخلوا بيننا وبينهم
واما ان تكونون عندنا انتم وهم سواء بسواء

واعلموا ان مكانكم خارج اسوار المدينه
تصلحون ما تهدم منها
وتحمون ابوابها من جيوش المجوس المتربصه بالخارج
وسماسرة ملك المغول الطامعين

فما صُنِعت الحاميات إلا لتحمى الابواب وتحصن الاسوار
لا لتجلس على العروش وترتدى التيجان

لتحمى الشعوب والامم
لا لتقتلهم بدلا من ان تقتل الغزاة

وإنكم ما دخلتم المدينه يوما الا وأفسدتموها

خلوا بيننا وبين القتله
واخرجوا من المدينه
تكونون اخواننا واحبائنا
والا فكلكم لنا عدو مبين ..

ثم قال للعسس :

ان العسس ما صُنِعوا إلا ليحموا اهل المدينه من اللصوص,
لا ليحموا اصحاب العروش والتيجان من اهل المدينه,

واننا ما اشترينا لكم سيوفكم ورماحكم من اموالنا,
إلا لتوجهوها لاعدائنا
لا لتوجهوها الى صدورنا..

ان لنا معكم ما لنا مع جنود الحاميه,
ومن قتلونا منكم لن نترك رؤسهم فوق اجسادهم بعد اليوم,
فاما ان تتركوهم
وتكونوا عسس خير
تحمون المدينه واهلها

والا فدونكم والسيف....


ثم التفت الى الجماهير وصرخ فيهم :
ياقوم..
ان أمر غدِكم مرهون بأمركم اليوم
فان اردتم الحياة
فلتسحقوا الخونه
اسحقوا الكهنه
اسحقوا القرود
اسحقوا البهاليل والمتقردون
الموت للضبع
الموت للكلب وتابعه
الموت للحكماء المزيفون وافاعى المنابر
الموت لعبدة الكراسى والعروش
افنوهم بسيوفكم
فان لم يكن
 فبأيديكم العاريه
فان يد الغضب واليأس أقوى من حديد السيوف

ولتحملوا شباككم وتلقوا بها الى النهر
لتخرجوا منه الوحش اللعين
ولا تتركوة حيا

ولترفعوا على العرش خياركم
لا حيوانات غابتكم
فلا يحكمنكم حيوان بعد اليوم

واعلموا
ان من جلس على العرش
ماهو بحاكمكم
وانما انتم من تحكمونه
إن هو الا عامل
أتيتم به ليدير شئونكم
لا ليتسلط عليكم..

ولكن..
قبل كل شىء
افتحوا اعينكم
ثوروا على انفسكم ان اردتم ان يكتب لثورتكم على طغاتكم النجاح..

وهنا
تقدم عدد من شباب المدينه المتعلمون
وبعد تردد
اخذوا يفتحون اعينهم ببطء
وما ان تسلل ضوء الشمس اليها
حتى صرخوا فى الم
فقال الفارس :
تمالكوا انفسكم
فهذا شأن من لم تألف اعينهم النور
وما ان فتح الشباب اعينهم
حتى أذهلهم ما رأوة من دمار وعفن بالمدينه
فصرخوا
وارتجفت اجسادهم فى رعب
واغلقوا اعينهم بسرعه..

وضحك الكهنه
وقالوا للناس :
الم نقل لكم
انكم لن تحتملوا بركات الالهه
وان هذا الفارس ما هو الا شيطان لعين ؟

قال الفارس :
ياقومى
ان للحقيقه ثمن
والثمن مَوقوف قدرة على قدر ما يُدفَع فيه
وبقدر ما كانت الحقيقه نفيسه
كان ثمنها غاليا
فلتواجهوا واقعكم
فلا قِبل لكم بتغيير ما تخشون رؤيته اصلا ..

تقدم من الفارس حمالا بسيطا
وألقى ما يحمله
وتقدم منه سقاء مسكينا
وأنزل قربته على الارض
وتبعهم مزارع
ثم بدأوا يفتحون أعينهم
صرخوا وتألموا
فقالوا لأنفسهم
ان النور مؤلم
ولكنه ألم يزول
ولكن ألم الجوع والفقر أشد
ألم الذل والقهر أشد
وألمهم لا يزول..

وتحملوا الآلام المبرحه
حتى تفتحت أعينهم
وعانقت نور شمس الحقيقه لأول مرة منذ قرون,
ثم
نظروا الى مدينتهم وما صارت اليه,
ونظروا الى الكهنه وشاهدوا ما يرتدونه من ذهب ومجوهرات,
ونظروا الى القردة ورأوا كم هم قبيحى الشكل تفوح منهم الروائح النتنه,
ثم صاحوا جميعا :
صدق الفارس وحق الآلهه
الموت للخونه
الموت للطغاة
وتبعهم فقراء اهل المدينه
واخذوا يفتحون أعينهم تباعا
ويحطمون السلاسل المربوطه فى اعناقهم

وصاح فيهم الفارس :
يا قومى
اعلموا انى لست عليكم بزعيم
ولا زعيم لكم الا انفسكم
اعلموا انى لن أحرركم
وان سيفى هذا لا طاقه له باعدائكم
انتم من ستحررون انفسكم
وكل ما فعلته ان اشرت لكم تجاة الحق..
تجاة النور..
فامضوا والحق معكم
واجهوا الموت اليوم تكتب لكم الحياة غدا
ويكتب لمدينتكم المجد أبد الدهر
كونوا رجالا اليوم
او لتموتن غدا
ولتخسف اللعنات بمدينتكم الارض
ويفنى مجدكم
وتصبح اثرا بعد عين

اما ان تقيموا مدينتكم اليوم
او فلتذهب المدينه بمن فيها الى الجحيم

اليوم ترون بوضوح موضع اقدامكم
وتعرفون عدوكم
فانقذوا ما بقى من مدينتكم المحبوبه
وادفعوا ثمن تخاذلكم قرونا عن طيب خاطر
وخوضوا بحار الدم
واقضوا امرا كان مفعولا....

وشمر أهل المدينه المبصرون عن سواعدهم
بينما ارتعدت مفاصل كهنه المعبد
وتراجعوا للوراء
وتقدم امامهم الكهنه المحاربون
وايديهم على مقابض سيوفهم

وتراجع القرد الحاكم ببطء
وتقدم امامه الغول
وعيناه يخرج منهما الشرر

وانقلب وجه قائد الحاميه
وارتدى خوذته

لم يكن اى منهم يعلم علم اليقين
على من سيرفع الاخرون سيوفهم

لكن اهل المدينه
اصبحوا يعلمون جيدا
على من ستدوس اقدامهم ..

..................

وسكت بيدبا..

فقال الملك :
وماذا حدث بعد ذلك ايها الحكيم ؟

فقال بيدبا :
لا احد يعلم ايها الملك
فقد انقطعت اخبار الشاب المغامر منذ ذلك اليوم
وابواب المدينه مغلقه
لا يجرؤ احد على الاقتراب منها

البعض يقولون انه حارب فى ذلك اليوم مع اهل المدينه وقتل

البعض يقولون ان من بالمدينه كلهم قد افنوا بعضهم قتلا وذبحا
وان المدينه صارت أطلالا وخرائب

والبعض  يقولون انه قد تم لأهل المدينه ما أرادوا
بعد ان دفعوا ثمنا غاليا من دمائهم
وان المدينه الآن .. جنه على الارض
يسبح اهلها فى بحار من النور

ولكن

كلها اقاويل
ولا احد يعلم ما الذى حدث على وجه التحديد ..

فنظر دبشليم الملك الى الافق
وتمتم قائلا :
كم هو عجيب امر تلك المدينه ...

نظر بيدبا الى السماء وقال :
ان كانوا قد فنوا
فهى العداله
وان كانوا قد انتصروا
فهو الحق والرحمه

وكِلاهما خير......

............ انتهى ............. 

                                              

المدينه الملعونه (1) ..



ذات يوم..
جلس (دبشليم) الملك
فى شرفه قصرة العظيم
المطله على حديقه غنّاء
وبجوارة الحكيم (بيدبا)
فنظر الملك نحو الافق طويلا
ثم سأل الحكيم:

ايها الحكيم الجليل
انى اسمع من قديم الزمان
عن مدينه ملعونه
فى أقصى الدنيا
أصابت أهلها لعنه غريبه
وتحكمهم حيوانات الغابه
واستقصيت عن امرها كثيرا
فلم أجد إجابه شافيه
فهل تعلم ايها الحكيم
عن امر تلك المدينه شيئا ؟؟

أجاب بيدبا قائلا :
أعلم ايها الملك
أن قليلون هم من دخلوا تلك المدينه يوما,
فقط..بعض الرحاله الذين تحلوا بالجرأة والشجاعه .. وكثير من الفضول,
من عاد منهم وصف قوم يعيشون فى بؤس شديد , وجنون أشد,
كل اهل المدينه مخابيل بلا استثناء,
لا احد يعلم على بشكل مؤكد الذى حدث فى تلك المدينه وأصاب اهلها بالجنون ..
فأغلب الناس قد ولدوا ليجدوا تلك المدينه على ماهى عليه,
مدينه ملعونه وبائسه مليئه بالمجانين , محاطه بسور عالى وأهلها يغلقون ابوابه على الدوام ..
ولكننا نحن معشر الحكماء,
نعلم قصه تلك المدينه منذ قديم الازل
ونتوارثها اجيالا بعد اجيال
لما فيها من الحكمه والموعظه ...

كان أسلافنا يقولون أن هذة المدينه قديما كانت حاضرة الدنيا وجنتها,
يخترقها نهرعظيم من أدناها لأقصاها,
على ضفتيه جنات من أشجار الفاكهه والنخيل والأزهار,
وأن شعبها كان قديما أسعد الشعوب وأقواها,
إلا ان لعنه غامضه أصابتهم,
إذ ظهر فى مدينتهم صباح احد الأيام,
كتله صغيرة من الضباب الأسود,
ورآها كل الناس حينها ,
إلا انهم أغفلوا ذلك الضباب اللعين الذى ظهر فى أرضهم على استحياء,
وأخذ يتفشى قليلا قليلا,
وظلوا هم على صمتهم,
وانشغلوا بأكل الثمار والجلوس وسط الازهارعلى ضفه النهر العظيم ,
لم يكترثوا لمن كان يسقط منهم كل يوم,
بسبب ذلك الضباب الاسود المجهول,
فقط تجاهلوة وظلوا يمارسون حياتهم اليوميه,
لم يكن يمر يوما دون ان يتكرر ذلك المشهد المخيف فى سوق المدينه او حدائقها او اى مكان,
إذ يظهر ذلك الضباب المخيف,
ويبدأ فى ابتلاع أقرب الناس اليه,
ويبدأ المسكين فى الصراخ والإستغاثه,
ويمد يدة لمن حوله من الناس,
ويصرخ ويتوسل اليهم أن يمسكوا به وينتشلوة من براثن ذلك الضباب القاتل ,
إلا ان الناس تنظر اليه فى بلاهه ولامبالاة,
وبعضهم يشير اليه بسخريه ويضحك,
والبعض الاخر يراقبه من بعيد فى صمت,
ويظل الرجل يصرخ فى يأس وألم,
ثم يختفى فى جوف ذلك الضباب .. بينما يتناثر حوله رزاز من الدماء يشير لمصيرة البشع..

وسط ذلك الصمت واللامبالاة,
كان هناك بعض الحكماء الفطنون من اهل المدينه,
يراقبون ما يحدث,
كثيرا ما وقفوا فى سوق المدينه,
يصرخون ويصيحون فى قومهم ,
أدركوا انفسكم ..
أخرجوا ذلك الضباب الملعون من مدينتكم ,
قبل ان يلتهمكم جميعا ..
كانت الناس تتجاهلهم,
والبعض الاخر كان يسبهم ويشتمهم بأقذع الالفاظ ..
بعد فترة لاحظ اولئك الحكماء ان ذلك الضباب الاسود كلما التهم رجلا , تضخم وزاد حجمه ,
وازداد ايضا توحشه وافتراسه , 
وازدادت شهيته..

عندما ظهر لأول مرة على اطراف المدينه ,
كانت الناس تراة يلتهم القطط والفئران ,
وبعدها بقليل ظهر فى قلب المدينه ,
وفى أحد الايام سمح له اخيراً حجمه الذى زاد كثيرا بسبب التهام الكلاب القطط ,
سمح له ان يلتهم انسانا بائسا كان يمر بالصدفه فى السوق ,
تجاهله الناس اول مرة , وقالوا انه حادث مؤسف ... فردى ... قد يحدث فى اى مكان ,
الا ان تلك الحوادث تكررت,
وتضخم الضباب الملعون,
وانفتحت شهيته,
وذات يوم..
طفح الكيل بحكماء القريه,
فجمعوا أنفسهم وقرروا القضاء على ذلك الشىء الغامض ,
وانطلقوا الى سوق المدينه صباح اليوم التالى ,
ومع كل منهم ما يقدر على حمله من السلاح ,
وانتظروا ظهور ذلك الوحش الغامض,
ولم يطل انتظارهم,
إذ سرعان ما ظهر,
واخذ يزحف فى السوق ,
وينظر حوله باحثا عن اى فريسه جديدة,
حينئذ..
أستجمع الحكماء الشجعان قواهم,
وانطلقوا وحاصروا الكائن البشع,
وانهالوا عليه ضربا بأسلحتهم من كل مكان ,
أخذ الضباب يتشكل فى صورة وحش مخيف,
ذو أعين حمراء تخرج منها نيران محرقه ,
وفم ملىء بانياب داميه,
وجسدة مغطى بثعابين كثيرة كالشعر,
تلدغ كل ما يقترب منه,
وأياد كثيره,
تنتهى بمخالب مقوسه وحادة..

قاوم الوحش كثيرا,
وقتل والتهم وحرق الكثير من الحكماء اثناء هجومهم عليه,
الا انهم صبروا,
قالوا لو كنّا هاجمناة منذ البدايه لكان الامر سهلا,
ولما اضطررنا لتقديم كل تلك التضحيات,
ولكن الذنب ذنبنا,
والتقصير منا,
فعلينا ان نصبر ونحتسب,
ونقبل دفع ثمن سكوتنا عليه منذ البدايه..

وأخذتهم الشجاعه,
واشتد هجومهم على الوحش اللعين,
وأوشك الوحش ان يخر صريعا,
بينما باقى أهالى المدينه متجمعين على مسافه قريبه يشاهدون ما يحدث,
وفى تلك اللحظه الحاسمه,
ظهر كهنه المعبد يهرولون من بعيد,
وهو يصرخون ويصيحون:
ايها الملاعين!!
كفوا أيديكم قبل ان ينالكم غضب الرب,
هذا الوحش هو وحش الإله,
كان يرعاة على قمه جبل الآلهه,
وقرر أن يرسله لتستضيفونه عندكم لبعض الوقت,
ليرى ان كنتم تكرمونه,
فيكرمكم ويفيض عليكم من الأنهار والخيرات والثمار,
أو تهينونه فيأخذكم بغضب منه ولعنه عظيمه,
والآن..
هؤلاء الحمقى يوشكون على قتل وحش الرب,
وانتم تراقبونهم فى صمت ؟!!!
فلتشكروا الرب اننا تداركناكم فى ذلك الوقت الحاسم قبل ان تحل عليكم اللعنات..
ياشعب الرب العظيم,
اوقفوا هؤلاء السفهاء,
فإن انتم تركتموهم,
سيكونوا هم سبب شقائكم,
أنقذوا مبعوث الرب..
أنقذوا مبعوث الرب..

بدأت صيحات الاستحسان تنطلق من حشود الجماهير البلهاء,
وبعد لحظات تجرأ أحدهم فقذف احد الحكماء بصخرة كانت فى يدة,
أصابته فى رأسه فخر صريعا,
وسرعان ما قلدة الآخرون,
ثم انقضوا على من بقى الحكماء وأوسعوهم ضربا,
فتدخل الكهنه وامروهم بأن يقيدوا من بقى من الحكماء بالحبال,
ثم قالوا لهم :
لقد غضب عليكم الرب بسبب تلك الجراح التى لحقت بوحشه العزيز,
ولا سبيل لإرضائه الا بإقرار العداله,
ألقوا اولئك الملاعين الى الوحش ليلتهمهم..
إنها العداله..
عداله السماء..
عداله الرب..

أخذت الجماهير الغاضبه تلقى بالحكماء الواحد تلو الاخر فى فم الوحش الواسع المخيف , وهم يصيحون :
المجد لعداله الآلهه..
فلتكن مشيئه الآلهه..

أخذ الوحش يلتهم الحكماء فى إستمتاع ونَهم,
وأحذت جراحه تلتئم بسرعه,
وأخذ حجمه فى التضخم والكبر بشكل ملحوظ.

كل ذلك وسط صراخ الجماهير الهستيرى,
وصيحات الإستحسان تتصاعد من كهنه المعبد من حين لآخر,
وحين انتهى الوحش من إلتهام الحكماء,
أخذ يتمدد بشدة,
ويصدر اصواتا رهيبه,
ثم ارتفع فى السماء,
فصاحت الجماهير فى فزع,
فأخذ كهنه المعبد فى تهدئتهم قائلين :
ابشروا ياشعب الرب,
ابشروا برضوان الرب عليكم..

أخذ الوحش المرتفع فى السماء يتجه ناحيه النهر,
حتى اصبح فوقه تماما,
ثم ألقى بنفسه فيه,
وما ان نزل الى الماء,
حتى تضخم حجمه بشكل مهول,
وظهرت له زعانف,
واخذ يسبح ويغطس فى النهر,
حينئذ أخذ ماء النهر يفور,
ويسوّد لونه..

طمأنت الكهنه الجماهير:
ايها المؤمنون ,
لقد رضيت عنكم الآلهه,
وقررت ان يصبح ماء النهر وطنا لذلك الوحش المبارك,
فلا تقربوة بأذى بعد اليوم..

صاح بعض الناس:
ولكن ماء النهر اصبح لونه اسود !!!

فردت عليهم الكهنه :
إنها البركه ايها الجهلاء,
لقد حلت بركه الآلهه فى النهر,
فاشربوا منه هنيئا,
واسقوا حقولكم وبساتينكم منه,
واستمتعوا بفيض البركات..

واخذت الجماهير تنهل من ماء النهر فتشرب منه وتصبه فوق رؤسها فى سعادة غامرة ..

...............

صمت بيدبا قليلا ثم قال :

فى صباح اليوم التالى حدث شىء غريب,
استيقظ اهل المدينه كلهم على حاله عجيبه,
اخذ بعضهم يعدو فى شوارع المدينه متجردا من ملابسه وهو يصيح فى بلاهه,
والبعض الاخر يضحك ضحكات هستيريه,
واخرون فاغرون أفواههم وألسنتهم تدلى منها واعينهم تنظر فى الفراغ!!

لقد كان الامر واضحا,
لقد جُنّت المدينه بأكملها !
وانطلق الكهنه فى شوارع المدينه يصرخون :
ياقوووم..
ياقوووووم ,
انكم لستم بالمجانين,
كل ما فى الامر انكم لم تتحملوا بركات الآلهه,
يستغرق الامر بضع الوقت حتى تعتادوها,
ولكنّا نحن كهنه المعبد,
نرشدكم الى حل جميل ,
فبعد لحظات سوف تشرق شمس البركه على مدينتكم,
ولن تستطيعوا تحمل ضوئها الباهر,
فننصحكم ايها الجماهير المؤمنون,
ان تغمضوا جميعا اعينكم,
حتى لا تأخذ الاضواء المبهرة بأبصاركم وتعميكم ..

صاح مواطن :
وكيف نستطيع ان نمارس حياتنا وأعمالنا ونحن مغمضون ايها الكاهن ؟!

ابتسم الكاهن الاكبر ابتسامه صفراء,
وقال له برقه مصطنعه :
وماذا نفعل نحن ايها المواطن المسكين؟!
ان هذا هو دورنا وواجبنا تجاهكم ايها المؤمنون,
نحن معشر الكهنه قلوبنا عاااامرة بالايمان,
ونستطيع احتمال الضوء الباهر لبركات الرب,
سنسخر انفسنا لخدمتكم وإرشادكم فى كل ما تشاؤون,
سنأخذ بأيديكم ونريكم الطريق فى السوق لشراء متطلباتكم,
سوف نقرأ لاطفالكم فى المدارس ونعلمهم ,
سنمسك بأيديكم وانتم فى الحقول والمصانع,
وسنقودكم لفراش الزوجيه آخر الليل,
ونضع بأيدينا أعضائكم فى فروج نسائكم ..

سنكون لكم بمثابه أعينكم,
بل وافضل,
ألسنا نحن الكهنه نرى ما لا ترون ؟

تعالت صيحات الإستحسان من الجماهير,
ثم أغلقوا عيونهم جميعا,
وانتشر الكهنه خلالهم,
وآخذ كل كاهن مجموعه من الجماهير,
وربط ايديهم بايدى بعضهم بحبل طويل,
ثم اخذ طرف الحبل فى يدة وانطلق بهم,
حتى صارت الكهنه تحرك الشعب كله فى قطعان صغيرة ...

منذ ذلك الحين اخذت بعض الاحداث الغريبه تحدث يوميا بشكل متواتر,
يخرج رجل من سوق المدينه ويضع يدة فى جيبه فيجد ان النقود التى كان وضعها فيه قد اختفت!
ويحسس آخر على البضاعه التى اشتراها فيجدها غير موجودة !
البعض الآخر لاحظ ان زوجته تئن ليلا من اللذة قبل ان يمسها !
واخرون لاحظوا ألما غير مبرر كلما حاولوا الجلوس على مؤخراتهم !

الا انهم اعتبروا تلك الاحداث عاديه
ولا تستحق حتى عناء التفكير فيها
واستمرت الحياة ...

...................


كان لتلك المدينه أسوار عاليه تحميها من اى اعتداء خارجى , وكان يربض على بابها (ببر) ضخم مخيف يردع كل من تسول له نفسه الاقتراب من بابها , ومن يقترب منها شبرا ينقض عليه ذلك الببر ليفترسه فى ثوانى معدودة ..

ومرت الايام ومات الببر فخلفه ابنه ثم بنوة من بعدة,
الى ان انقرض نسل الببر,
فبحث اهل المدينه عن بديل,
فوجدوا بغيتهم فى سبع غضنفر يعيش فى الادغال على اطراف المدينه,
ووافق السبع وخرج الى عرين الحراسه الملاصق لباب المدينه من الخارج,
وظل الامر على ذلك حتى مات السبع ,
وخلفوة بنوة ,
وبنوهم من بعدهم ,
الى ان تولى الحراسه اسد أحمق ,
عرف عنه الكبر والغرور , 
وحدث صباح احد الأيام ,
ان استيقظ اهل المدينه فسمعوا صوت الاسد بداخل المدينه,
فتعجبوا,
ما الذى اتى به داخل المدينه ؟!
لم نعهد من قبل ان حارس الباب دخل المدينه قط!!
ماذا يريد اذا ؟
وخرجت الناس الى الشوارع فى عجب,
وهنا..
نزل الكهنه سريعا من المعبد,
وصاحوا فى الجماهير,
ابشروا يا شعب الاله,
ان الاسد الجليل,
قد جاء اليكم,
لينقذكم من الحاكم الطاغيه الفاسد,
الذى ترككم للجوع والظلم ولم يستمع لكم يوما,
إن السبع الجليل,
مسئول عن حمايتكم بداخل المدينه كما هو مسئول تماما عن حمايه اسوار المدينه من الخارج ,
باركوا الليث الهصور..
باركوا الحركه المباركه..

ووقف الاسد فى خيلاء على باب القصرالملكى وامر الملك بان ينزل من القصر ويغادر المدينه.

وسرعان ما استجاب الملك البائس , فلم يكن له حيله سوى الطاعه,
وخرج الملك الفاشل من المدينه,
وأعد الكهنه للاسد موكبا عظيما,
وأخذ يطوف كل شوارع المدينه فى خيلاء,
وأخذت الجماهير تصيح وتهتف باسمه..

وقد كانت كانت سلاله غريبه من القرود قد انتشرت فى غابه المدينه قبل تلك الاحداث ببضع وعشرون عاما,
وبعد فترة نزلوا الى المدينه وفوجىء بهم الناس فى الشوارع والاسواق,
أدعت القرود انها سلاله من القرود المؤمنه , هدفهم اصلاح مجتمع المدينه الفاسد , وانهم لن يكتفوا بنصح الجماهير من بعيد والمكوث على معبد الجبل كالكهنه , وانما سيعيشون وسطهم فى شوارع وطرقات المدينه ..
واخذت سلاله القرود تلك فى الانتشار والتضخم يوما بعد يوم,
واصبح الناس يرونهم فى كل مكان فى المدينه,
ينصحون المارة بالالتزام بالقيم والاخلاق الحميدة,
وباقى اليوم يتقافزون فى الطرقات وعلى الاشجار ويصيحون صيحات مزعجه..

الا ان اهل المدينه استحسنوا ما خرج من ألسنه تلك القرود من نصح وارشاد,
وتغاضوا تماما عما يبدر منهم يوميا من قفز وعربدة وصياح فى كل مكان ,
ويوما بعد يوم احتلت عائله القرود مكانا مهما فى المدينه وفى قلوب شعبها بكلامهم المعسول ..

وحين دخل الاسد المدينه وسار بموكبه العظيم فيها,
تجمعت عائله القرود كلها,
واخذت تتقافز حول الاسد,
وتشير اليه وتصيح,
عاش الاسد البطل,
عاش السبع الهمام,
محرر الامّه,
وحبيب الآلهه,
بينما يمشى قرد عجوز فى مقدمه الموكب,
يحمل على صدرة طبله ضخمه,
يقرعها باستمرار وبشكل مزعج,
وهو ينشد شعرا ركيكا فى نفاق ورياء الاسد..

واستمر الموكب,
حتى وصل الى ابواب قصر الملك المخلوع,
فتجمعت القرود,
وحملت الاسد على اكتافها,
وأدخلته الى باب القصر,
وما ان جلس الاسد على العرش,
حتى خرجت فجاة من خلف اعمدة قاعه العرش,
اسود ونمور متوحشه,
اخذت القرود على حين غرة,
ومزقتهم والتهمتهم,
فقتلت منهم الكثير,
بينما فر من نجا منهم واخذ يقفز خارج القصر وهو يصيح فى فزع ,
وذهبوا الى الغابه النائيه على اطراف المدينه,
وصعدوا على الاشجار العاليه واختفوا هناك...

حينئذ اخذ السبع يخاطب الجماهير,
ويقول لهم ان هؤلاء القرود خونه,
وقد كانوا يخططون للاستيلاء على العرش,
والتهام اهل المدينه جميعا..

واخذ الشعب يصيح :
المجد للاسد..
الموت للقرود..

إلا ان بعض الاسود الصغيرة ضمن حاشيه السبع الزعيم قالت له :
ايها الاسد العظيم,
لقد قلت لنا انك ما دخلت المدينه طالبا ملكا او شهرة,
وانما دخلتها لتخرج منها الملك الطاغيه,
وتترك الشعب يولى عليه من أراد,
لا لتجلس انت على العرش!!
وعلى هذا عاهدناك وساعدناك.

فانتفض الاسد غاضبا وصاح :
 ايها الخونه,
انكم ولابد أعوان القرود,
ثم امر بعض حراسه ان يلقوا بهم الى الوحش فى النهر,
فقيدوهم وحملوهم ومضوا نحو النهر ... وسط هتافات الجماهير التى تمجد فى الاسد الاعظم..

وحكم الاسد المدينه حكما منفردا مطلقا,
ومع الوقت زاد طغيانه واستبدادة,
حتى انه كان كلما جاع , ارسل اعوانه ليقبضوا على عدد من اهل المدينه عشوائيا ثم يضعونهم امامه داخل القصر حتى يلتهمهم,
وعاش اهل المدينه فى خوف ورعب,
الا انهم تجاهلوا طغيان الاسد,
وقالوا لانفسهم :
لابأس حين يطغى علينا قليلا,
ويكفينا انه الاسد العظيم حامى الحمى,
ويكفى اننا تحت حكمه لن نخاف من غارات المدن المجاورة,
فكيف يجرؤون على مهاجمتنا ونحن يحكمنا السبع العظيم..

لم يسأل اهل المدينه انفسهم يوما عن فم الاسد الذى بدا كلما فتحه خاليا من الانياب وبه بعض بقايا الاسنان النخرة..

كما غاب عنهم ما حدث ليله دخول الاسد المدينه,
تحديدا عقب دخوله الى الباب مباشرة,
حينها كان اهل المدينه يغطون فى نوم عميق,
واستيقظوا على الاسد وهو يقف فى وسط المدينه,
لم يعلموا انه عندما دخل من الباب فجرا توجه الى المعبد,
واتفق مع الكهنه ووعدهم بالعز والسلطان,
وبعدها توجه لجبلايه القرود العظمى,
ووعدهم إن ساندوة ان يجلسهم على عرش المدينه بعد ان يخلع الملك ,
وبعد ان ضمن دعم كلا من كهنه المعبد والقرود , توجه لوسط المدينه حيث وجدة الناس صباحا..

لم يلفت نظر اهل المدينه ان القرود التى هللت وتقافزت حول موكب الاسد هى نفسها التى كانت تهلل وتتقافز حول موكب ملك المدينه المخلوع قديما..

وان الكهنه الذين باركوا حركه الاسد هم نفسهم من كانوا يسبحون بحمد الحاكم المخلوع..

تغافل اهل المدينه عن عدد من الاسئله البديهيه والمريبه,
ووافقوا على ان يحكمهم وهُم بشر ... حيوان .. وان كان ملك الغابه نفسه,
وتغاضوا عن طغيانه عليهم بعد ذلك,
فاستحقوا ما حدث لهم..

كان الاسد لما ترك باب المدينه ودخل ليحكمها , اصبح الباب خاليا وبحاجه لمن يحرسه,
هنا تفتق ذهنه عن حيله عبقريه , يضع بها حارسا مناسبا على باب المدينه ويتخلص بها فى نفس الوقت من منافس قوى وشوكه فى ظهرة ..

كان ذراعه الايمن دبا ضخما , ساندة خطوة بخطوه فى انقلابه على الحاكم ,
الا ان الاسد ما ان جلس على العرش حتى خشى على سلطانه من بأس ذلك الدب وسطوته,
فقرر ان يعلنه قائدا لحاميه المدينه , كحيله يخرجه بها من القصر ويبعدة فى اقصى مكان خارج المدينه ..

وبالفعل اصبح الدب قائدا لحاميه باب المدينه,
الا انه ولسخريه القدر ظل قابعا فى القصر الملكى , يتدخل فى كل شئون الحكم ويعين اعوانه هو فى كل المناصب الهامه..

إلا ان توازنا من نوع خاص كان موجودا بين الاسد والدب,
فالدب هو القابض على مقاليد الامور فى المدينه , وقائد الحاميه , واتباعه يحكمون كل شبر في المدينه ,
ولكن الاسد هو ايقونه الحكم , بالإضافه الى ان شعب المدينه كان مفتونا به..

وذات يوم هجمت حاميه المدينه المجاورة على مدينه الاسد,
ودخلوها بمنتهى السهوله , حيث انهم وجدوا الباب مفتوحا وبدون حراسه تذكر!!!
وقتلوا الكثير من سكان المدينه,
واغتصبوا جزءا منها واخذوة لانفسهم,
وفشلت حاميه المدينه فى الدفاع عنها!

وعلى الرغم من ان تلك كانت ضربه قاتله للاسد ولسمعته وزعامته,
الا انه كان ماكرا وبحث عن طريقه يستفيد بها من خسارته بل ويحولها الى مكسب,
فبدايه خرج يبكى للشعب ويعلن انه سيترك العرش لانه فرط فى حمايه المدينه,
ولعب على وتر عاطفه اهل المدينه وعلى سذاجتهم المفرطه,
فالاسد على مر حكمه كان قد صنع من نفسه رمز,
رمزا للبطوله,
رمزا لقضيه وهميه نجح فى يجمع اغلب الشعب حولها,
والشعوب الساذجه تعشق الايقونات,
وسقوطه ببساطه معناة سقوط تلك الايقونه,
وانهيار تلك القضيه التى انبهر بها الشعب الساذج لسنوات,
وهذا بالتأكيد لن يقبله الشعب,
وهذا ما كان يعلمه الاسد جيدا,
وهذا ماقد حدث..

اندفع اهل المدينه كقطعان الماعز يهتفون بحياة الاسد ويطالبونه بالبقاء على العرش !

لاحبا فيه,
ولكن دفاعا عن ايقونه عاشت فيهم لسنوات وكان لها تأثير مخدر غير عادى ..

وهكذا نجح الاسد فى امتصاص غضب الشعب على هزيمته النكراء,
بل وحوله لصالحه استفاد منه لدعم سلطانه اكثر واكثر,
ووجد فيه طريقه لاستغلال الحدث فى التخلص من الدب,
فحمله مسئوليه الهزيمه,
وأشعل غضب الشعب ضدة,
وارسل له بعض اتباعه وامرهم بوضع سما قاتلا فى قطعه اللحم التى يلتهمها الدب كل يوم..

ومات الدب..

واصبح الاسد يحكم المدينه بلا منازع..

الا ان احتلال ذلك الركن من المدينه كان امرا يؤرقه ويهدد سلطانه باستمرار,
فوجد انه لا مناص من تطهير حاميه المدينه وتشجيع صغار الاشبال على الانضمام اليها وتمهيد الطريق امامهم للمناصب الكبيرة,
الا انه كان قد مات قبل ان يتمكن من محو هزيمته ..

وخافت حاشيه الاسد على امتيازاتها وسطوتها,
وخافوا ان يظهر لهم دبا او اسدا جديدا ليحكمهم ويكون على غير وفاق معهم,
فاتفقوا جميعا على اختيار اضعف شخص منهم لينصبوة حاكما شكليا بينما يستطيعون هم ادارة المدينه من خلفه,
وكان الطريق ممهدا امامهم,
فقد كان اهالى المدينه منشغلون بالنوم نهارا والاستمتاع ( بسماع ) عروض البهلوان العجيب فى سيرك المدينه ليلا !!

ووقع اختيار الحاشيه على الثعبان ..

كان ثعبانا اسمر اللون,
بلا شعر طبعا,
نحيف الجسم,
كان واحدا منهم منذ احداث الانقلاب الاعظم,
الا انه كان دائما هادئا ومستكينا ومطيعا,
لم يخالفهم او يغضبهم ابدا,
فوجدوا فيه الاختيار الامثل,
فهو جبان,
وضعيف , بلا ايدى او ارجل,
وفمه مغلق دائما ولا ينفتح..

وقد كان,
ونصبوة حاكما على المدينه,
الا انه وبمجرد جلوسه على العرش,
استغل وجود الحاشيه كلهم فى القاعه,
وفتح فمه لاول مرة,
فبرزت منه انياب مخيفه عملاقه تتساقط منها قطرات السم,
وقفز فى الهواء ونزل على رقاب الحاشيه واخذ يلدغهم سريعا الواحد تلو الاخر,
وسقطوا كلهم قتلى على الارض,
وحكم الثعبان المدينه منفردا,
كما حكمها الاسد من قبله..

وكان لئيما وماكرا,
لم يجرؤ على نزع صور الاسد المعلقه فى كل مكان فى المدينه,
بل اخذ يمجد ويعظم فى الاسد ويذكرة بكل الخير , بينما هو يكرهه من صميم قلبه,
واكتفى بوضع صورة صغيرة له بجوار صور الاسد الضخمه..

اراد الثعبان توطيد ملكه فى نفوس المواطنين , خصوصا انهم كانوا لا يقيمون له اى اعتبار او تقدير حينها,
وكانت الطريقه المثلى هى طرد الغزاة واسترداد ما نهب من ارض المدينه,
واخذ الثعبان يدعم الشجعان داخل حاميه المدينه ويمهد المناصب امامهم ويستأنف ما بدأة الاسد,
وساعدة على ذلك ان الحاميه مليئه بالاشبال الشجعان,
ووقع اختيارة على شبل جرىء وبطل , وعينه قائدا للحاميه,
وحين حان الوقت انطلق الشبل الجرىء يقود الحاميه الى ان هزموا الاعداء هزيمه منكرة..

 وتغيرت موازين القوى,
وخاف الثعبان على نفسه من الشبل,
فهو بطل قومى حرر مدينته من الاحتلال,
ورأى الثعبان انه لا يجب الانتظار حتى لا يتوطد سلطان الشبل اكثر من هذا , وخاف الثعبان على نفسه من حب الحاميه للشبل اونبهارهم به,
ونجح الثعبان فى اسقاط الشبل وتشويه صورته ونفيه خارج المدينه,
ونست الجماهير العمياء الشبل ( كعاداتها فى النسيان )
وهتفت للثعبان الحكيم,
بطل الحرب وبطل السلام,
حامى حمى المدينه..

ولم يكتفى الثعبان الماكر بذلك,
بل طمع فى مزيد من التمكين لنفسه,
فتوجه الى اطراف الغابه,
ووقف تحت اشجار القرود ينادى عليهم ان يهبطوا,
وان عصر استبداد الاسد قد انتهى,
وانه يحبهم وان المدينه تفتح لهم ذراعها من جديد,
تشككت القرود فى اول الأمر , ولكنهم ما لبثوا ان سال لعابهم ونزلوا جميعا من على الاشجار, واصطحبهم الثعبان ودخل بهم قلب المدينه فى احتفال ضخم,
وبعد ذلك توجه لكهنه المعبد ومارس معهم نفس الحيله,
وقال لهم انه خادم مطيع للالهه وان المدينه كلها تحت امرهم,
ونزل الكهنه ايضا من المعبد وجاسوا فى كل مكان فى المدينه,
واخذ الكهنه والقرود اينما ساروا يطبلون ويهللون للثعبان الحكيم والزعيم المؤمن حامى حمى الدين..

وهنا ادرك الثعبان ان كرسى العرش قد ثبت تحته اخيرا,
فبدأ يتشجع ووضع صور ضخمه له بجوار صور الاسد , بينما اضاف برواز ذهبى جميل حول صور الاسد,

وبعد فترة نزع صور الاسد تماما من شوارع المدينه وترك صورته مكانها!

واصبح الثعبان حاكما مطلقا للمدينه بدون حاشيه قويه , وترك للكهنه والقرود المدينه يرتعون فيها ويستغلون اهلها كيفما ارادوا,
انطلق الكهنه يقولون للسكان ان اغماض اعينهم لم يعد كافيا لارضاء الالهه , وانهم ولا بد ان يسيروا على ايديهم بدلا من اقدامهم,
وبدأ الناس يطيعون الكهنه تدريجيا,
واصبح مألوفا فى المدينه ان تشاهد من حين لاخر كاهنا يقود قطيع من المواطنين بحبل بينما هم مغمضى الاعين ويسيرون على ايديهم ويرفعون اقدامهم لأعلى كمهرجى السيرك,
وتوطد سلطان الكهنه والقرود فى المدينه اكثرواكثر .. والثعبان فى قصرة مخمور بقوته وسلطانه, وغافل عن الخلل الرهيب الذى بدأ يدب فى موازين القوى داخل المدينه والنفوذ المتنامى للكهنه والقرود ..

وكان الثعبان متزوجا من حيه رقطاء مخيفه,
وكانت تعشق السلطه والنفوذ,
وتكاد تكون مسيطرة تماما على الثعبان,
وبدأت مع الوقت تتدخل فى شئون الحكم,
وهنا..
كان لابد من ان يقع خللا ما فى المنظومه ,
وقد كان..

فى احد الايام انتصب احد الكهنه وسط الجماهير وانطلق يسب وينتقد الحيه زوجه الثعبان,
ولما بلغ الخبر الثعبان وزوجته هاجوا وماجوا,
وامر الثعبان بالقاء الكاهن فى سجن القصر,
وكانت تلك النقطه الفاصله,
وبدأت العلاقه تسوء بين الثعبان والكهنه واتباعهم , وهم كثيرون من اهل المدينه,
واعتقد الثعبان انه اصبح فى غير حاجه الى الكهنه,
وانه اقوى منهم,
لانه هو من صنعهم..

وقتل الثعبان بشكل غامض اثناء حضورة احتفالا اقامته حاميه المدينه!

ونسب قتله لاحد الجنود المتحمسين والذين يدينون بولاء كبير لكهنه المعبد,
ولا يعلم احد حتى الان , من المسئول الاساسى عن قتل الثعبان..

واصبحت المدينه بعد الثعبان فى وضع غريب,
بدون مراكز قوى,
لا بديل واضح على الساحه,
الشعب مغيب ومغمض العينين ومستسلم بشكل تام لكهنه المعبد,
بشر يسيرون على ايديهم,
قصر خاوى على عروشه..

وفى غفله من الزمن,
لم يجد العرش احدا ليجلس عليه,
فما كان من احد الضباع,
وكان جنديا ضمن الحاميه,
ان جرى بسرعه ووثب وثبه هائله,
وجلس على العرش,
واعلن نفسه حاكما للمدينه!

اشمئز اهل المدينه
أيحكمهم ضبع آكل للجيف ؟!

قال بعضهم لبعض :
وماذا فى ذلك؟
انه جنديا وشارك فى تحريرالمدينه؟
كما انه يبدوا طيبا ومسالما؟
ليس خبيثا كالثعبان,
وليس طاغيه مستبدا كالاسد,
انه شخصيه مقبوله بوجه عام..

بدأ حكم الضبع خافتا بلا لون او رائحه,
كأنه غير موجود,
فهو على كل حال لم يكن له نفس الحضور القوى للثعبان او للاسد او الملك المخلوع,
الا انه استغل فترة الخفوت تلك,
وبدأ يعيد ترتيب الموازين داخل المدينه فى صمت وهدوء,
أخرج الحاميه كلها من المدينه, حتى لا تشكل اى تهديد لعرشه,
اذ كان عندة هاجس دائم ان يناله ما نال سلفه,
واصبح أخشى ما يخشاة هو الحاميه,
فامر باخراجها خارج المدينه,
ومنعها من الدخول اطلاقا,
الا بشكل فردى لزيارة الاهل مثلا,او لقضاء مهمه للعمل,
ونصب عليهم قائدا جديدا,
كلب اسود عجوز طاعن فى السن,
يبدو كتمثال من حجر,
صامت ولا يتحرك ابدا,
الا ان عيناة تبرق بشكل مخيف وتنم عن مكر بالغ,
كان الكلب مخلصا أيما اخلاص لسيدة الضبع,
ولائه من نوع خاص,
ولاء لا يتعلق بسلطان او عطاء,
ولاء كلب لسيدة..

أدرك الكلب القواعد التى يريد سيدة الضبع إرسائها فى المدينه,
وتولى هو ملف تطبيق تلك القواعد فى نطاق الحاميه التى كان يتزعمها,
فأخذ يتفنن فى قمع جنود الحاميه,
واصدر تعليمات مشددة بالقبض التعسفى على كل من يضبط منهم نهارا فى شوارع المدينه,
وتحديدا فى الاحياء القريبه من قصر الضبع,
ووضع منظومه إشغال وإنهاك قاسيه للجنود,
تغفل اى تدريبات حقيقيه,
فكان يأمرهم بنزع حجارة السور واستبدالها من مكانها بأماكن اخرى,
ثم يأمرهم باعاداتها لمواضعها القديمه مرة ثانيه,
وكثيرا ماكان يأمرهم بتنظيف الصحراء خارج المدينه من الحصى,
بحجه ان مظهرة سىء وغير نظيف,
كان ينهك جنود الحاميه فى اعمال قاسيه وبلا جدوى..

وكل من جرؤ على انتقاد الكلب الاعظم اختفى فجاة ولم يعرف أحد مصيرة,
وبدأ يقسم جنود الحاميه لطبقات , ويفضل بعضها على بعض , لكى يضمن التفريق بينهم ,
 وقد سرت حكمه بليغه فى جنود الحاميه وقتئذ تقول ( ان نصف جنود الحاميه يراقب النصف الاخر )
وحفظا لماء وجهه امام اهل المدينه , كان ياتى بمخرجين سينمائيين لكى ينظموا حفلات تهريج منظم اطلق عليها مجازا ( تدريبات للمعارك ) بينما هى فى الحقيقه تخلو من اى منطق او تدريب حقيقى وتفترض دائما ان جيش الاعداء ساذج وغبى وضعيف ومشلول للحد الاقصى !!
ورغم ذلك بلغ من سوء حاله الحاميه انهم لم يستطيعوا حتى تنفيذ تلك التمثيليات الشكليه بإتقان , فقد كانت مليئه بالإخفاقات والفشل المُزرى , بل والمضحك فى كثير من الاحيان ...

وكان الكلب يخرج على اهل المدينه كل يوم ليقول لهم كلام مكرر أجوف , عن ان الحاميه الباسله قادرة على صد أى تهديد خارجى وان أسوار المدينه حصينه ومنيعه وغير قابله للاقتحام!

وأمعن الكلب العجوز فى قمع حاميته حتى اصبح جنودها يكرهونه بشدة , طبعا باستثناء من حالفهم الحظ وكانوا ضمن الشرائح المرضى عنها ..

وبالغ فى تقديم فروض الولاء والطاعه للضبع , حتى ان الضبع الذى كان يتشكك فى اصابع يديه , اطمئن اخيرا للكلب ووثق به ثقه عمياء وجعله ضمن دائرته المقربه الاولى , ومستشاريه المخلصين ..

...........

اما بالنسبه للمدينه من الداخل فهذا له شأن آخر,
بدأ الضبع تدريجيا يتحالف مع مجموعه من الضباع ومهد لها للسيطره على سوق المدينه وكل مايمكن بيعه وشرائه فيها , وبعد فترة تمادى ونصّبهم فى مناصب كبيرة حتى يستطيعون اقتطاع اراضى المدينه وبيعها هى ومواردها لكل من يدفع اكثر...

اثرت تلك الافعال بالسلب على اهل المدينه,
فساءت الاحوال وازداد اهلها فقرا وضجوا بالشكوى,
وسادت الفوضى وكثر اللصوص والعُيّار,
هنا لجأ الضبع لورقه اخرى واعاد تنظيمها,
كهنه المعبد..

كان الضبع قد لجّمهم فى بدايه حكمه مخافه ان يتغول نفوذهم , ويناله منهم ما نال سلفه,
الا انه سمح لهم بوجود محسوب فى الشوارع , يسمح له ان يسيطر على اهل المدينه من خلالهم , وفى نفس التوقيت لا يسمح لهم بمناصبته العداء , اذ يظلون طوع يمينه دائما ..

نزل الكهنه للشارع , واقنعوا أهل المدينه البلهاء العميان ان الفقر مكرُمَه وأنه يقربهم الى الآلهه , وان الاغنياء سيدخلون جحيم الالهه وهم منهم فى غضب,
كما قال بعض الكهنه ان الفقر الذى يئن تحته اهل المدينه ليس سببه قطعان الضباع التى اجتاحاتها مؤخرا بمباركه الضبع الحاكم , وانما سببها هو عصيانهم لتعليمات الآلهه وبعدهم عن الصلاة فى المعبد واغضابهم للكهنه..

وبالطبع صدق أغلب اهل المدينه البلهاء العميان أقوال كهنتهم وزادوا من تبعيتهم وخضوعهم لهم , على الرغم من انه كانت توجد قله قليله ترفض تلك الهلاوس وتشير باصابع الاتهام للكهنه والضباع , الا ان هؤلاء كان امرهم سهل , فمن اليسير القضاء عليهم بين مطرقه جنود الضبع وكهنه المعبد , وسندان شعب المدينه الغافل المُغيّب ..

وقد كانت الفقرة الاخيرة التى اتخذها الضبع الاعظم فى معادله التوازن الجديدة التى أقرها خلال حكمه هى خلق قوة جديدة من العسس والمبالغه فى حجمها وتسليحها وتفويضها فى قمع والسيطرة على كل شبر فى المدينه , ومنحهم صلاحيات مطلقه ,  وامرهم بإخضاع وتجنيد , او قمع وتكميم كل ذوى النفوذ فى المدينه وكل من ينصت الناس الى كلامهم ويعتقدون فيهم  ..

فصنع العسس جيلا جديدا من الحكماء الوهميين , وقدموهم لاهل المدينه على انهم أهل حق وصدق , وهؤلاء الحكماء المزيفون بدورهم أنقسموا قسمين , قسم يمثل انه موالى للضبع , فيميل اليه قلب عبدة الضبع وينفر منه باقى أهل المدينه , ويصرفون أنظار الجزء النافر منهم عن التمعن فى توجهات القسم الثانى , والقسم الثانى يمثل انه من ألد اعداءالضبع وهؤلاء يقومون باستقطاب الجزء النافر من القسم الاول ...

وبالطبع يجد النافرون فى القسم الاخير صدرا حنونا وينقادون ورائهم على انهم اهل الحق والعدل , الا انه دائما فى الاوقات الحاسمه يحين دور اولئك المخادعون....يسعون جاهدين لقلب بوصله النافرون لاتجاة خاطىء وطرق مسدودة , مما يقودهم فى النهايه دائما للاشىء ويحفظ نظام الضبع وسلطانه قائما كما هو..

اى ان ذلك القسم الاخير كان ظاهرا عدو للضبع , بينما هو فى الحقيقه مجرد صمام أمان وخط دفاع ثانى عن نظام الضبع , وتلك حيله ماكرة برع فيها الضبع وسبق فيها الجميع , ودائما ماكانت تنجح ..

ومع زيادة التوتر وغضب أهل المدينه لجأ الضبع وعسسه زيادة فى الأحتياط , لعمل خط دفاع ثالث ورابع وخامس .. اذ أن استخدام صمام الامان الوحيد القائم  ( خط الدفاع الثانى )  بشكل متكرر كان يهدد بفضحه ويجعل القائمين عليه يفقدون سيطرتهم على الناس تدريجيا , ففى ذلك الحين يتم تصعيد خط الدفاع الثالث للمواجهه ويقود الجماهير , وطبعا بما انه خط مجهول وغير معروف ولم يحترق او يسقط من نظر الناس من قبل , فمن الطبيعى ان ينجحوا فى قيادة الجماهير ببساطه .. الى ان يحترق هذا الصف ويسقط من نظر الناس , فيتقدم الصف الذى يليه , وهكذا ...

....

مع الوقت كثر العسس ووصل تعدادهم لأعداد ضخمه , وسلحهم باحدث الأسلحه , ووصل طغيانهم على اهل المدينه لأقصى الدرجات ..
وترك لهم الضبع الحبل على الغارب , فهو متاكد انهم لن يتمردوا عليه , وان فكروا مجرد التفكير فى ذلك , فكلبه المخلص قابع على ابواب المدينه , وبإشاره منه يخترق المدينه بحاميته ويسحق العسس سحقا ..
ولا مشكله فى سوء حاله الحاميه , فحالتها مهما ساءت لن تؤثر على قوتها فى مواجهه العسس , فجنود الحاميه وان كان تدريبهم سىء للغايه , وسلاحهم وان كان تالف وبدائى , الا انه متفوق ( نوعيا ) على اسلحه العسس الفرديه الحديثه ,
ولا خوف من اى عدوان خارجى , فالضبع يطيع ملك المغول وينفذ كل اوامرة , وكل ملوك المدن يخشون ملك المغول ويهابونه ,
كما ان الضبع صديق مقرب من ملوك مدينه المجوس الملاصقه له , والعدو التاريخى لمدينه الضبع..

وبهذا استقر الميزان الذى قد عمل الضبع على صنعه طوال سنين حكمه , فالشعب أعمى ومُضلّل من قبل الكهنه , والكهنه مُلجَمُون من الضبع الاعظم ويخشونه , ويحكمهم العسس , والحكماء الجدد المزيفون مسيطرون تماماعلى عقول الشعب , والحكماء الجدد مُسيطَر عليهم من العسس ,  والعسس مسيطِرون على رقاب الجماهير وعلى آذانهم , والحاميه مسيطرة على العسس , والحاميه يسيطر عليها كلب مخلص امين , والكلب الامين مخلص تماما للضبع , كما ان نفسه لا يمكنه ان ينقلب على الضبع لو اراد , لان حاميته تكرهه ولن تنقاد له فى مثل تلك الاحوال .. والضبع والكلب كلاهما يعرفان ذلك جيدا ..

.......................

وزاد طغيان الضبع , وطغيان ابناؤة وحلفاؤة , وطغيان العسس , وضج اهل المدينه بالشكوى , ومع الوقت ارتفع صوت شكواهم وتحول الى صراخ ..

فى ذلك الوقت تحديدا تحرك مجموعه من شباب المدينه ( العميان ) وقرروا تنفيذ مخطط إنتحارى
فانطلقوا يسيرون فى شوارع المدينه بلا هدف وهم يهتفون ضد الضبع المستبد وقائد عسسه,
كان الضبع وعسسه متوترون بشدة من صراخ اهل المدينه المستمر , وذلك افقدهم القدرة الكامله على التركيز وحسن التصرف , فسرعان ما فقدوا اعصابهم بمجرد رؤيه ذلك العدد الضئيل من الشباب يهتفون ضدهم فى شوارع المدينه , وعلى الفور انطلقت جحافل العسس لتسحقهم سحقا , وسقط منهم عدد ليس بالقليل ..

وكانت تلك المرة الاولى التى يتعامل معها العسس مع من يهتفون ضد الضبع الاعظم بذلك العنف البالغ ..

وكانت تلك سقطتهم الكبرى..

فتحرك العدد الضئيل من الشباب فى البدايه لم يكن ليلفت نظر جماهير المدينه , خصوصا انهم قد اعتادوا مثل تلك التحركات الغاضبه فى السنوات الاخيرة..
إلا ان عنف العسس البالغ وارتكابهم للعديد من جرائم القتل , صب فى مصلحه الشباب وصنع لهم دعايه مجانيه ...

فصراخ الجماهير سكت فجأة,
وتحسسوا جثث شبابهم فى الشوارع ,
 ثم تحسسوا سيوف العسس المصبوغه بالدماء , وهراواتهم المرفوعه ..
نظروا طويلا الى العسس,
نظروا اليهم بوجوههم ذات العيون المغلقه,
فى البدايه بدت على وجوههم علامات ذهول,
وعدم التصديق,
وبعد قليل تحولت ملامحهم الذاهله لغاضبه,
ثم كارهه..

أقشعرت أجساد العسس من ملامح وجوة الجماهير,
وزاد ارتباكهم وانهمر العرق من جباههم,
وساد المدينه صمت مفزع..

وفجأة..

صرخ أهل المدينه صرخه عظيمه,
وانطلقوا كالطوفان تجاة العسس..

لم يتمكن العسس من الصمود طويلا,
سقطوا بعد ساعات , بعد ان قتلوا وذبحوا الآلاف من اهل المدينه , بسيوفهم او سحقا تحت عجلاتهم الحربيه ..

سقط العسس خلال ساعات واختفوا تماما من كل طرقات المدينه,
واصبحت المدينه لاول مرة ملكا لاهلها,
وارتعد الضبع فى قصرة,
وارسل يستدعى كلبه الوفى لانقاذة على وجه السرعه,
كان الكلب مشغولا باجبار الحاميه على رسم علم المدينه على سورها المتهالك المتساقط, 
كان يحرضهم ويدفعهم للعمل ويقنعهم بان ذلك عمل وطنى عظيم,
فشكل العلم على اسوار المدينه المتهالكه,
كفيل بزرع الرعب والفزع نفوس الاعداء طبعا!!

كان يلزم للكلب بعض الوقت لتجميع حاميته والدخول للمدينه,
وتلك كانت لحظات حاسمه للضبع  , فلجأ لصمامات أمانه التى احتفظ بها طويلا دون عمل,
هؤلاء الحكماء الوهميون الذين طالما تشدقت افواههم بسب ولعن الضبع وعائلته,
وسرعان ما استجابوا,
ونزلوا واندسواوسط الجماهير,
وهتفوا باسم الشعب,
وحيوا كفاح الجماهير الباسله,
وسرعان ما اخترقت كلماتهم المعسوله آذان الجماهير العمياء الساذجه,
فرفعوهم على اكتافهم,
وهتفوا بحياتهم,
وقالوا لهم انتم زعمائنا,
واستغل المندسون الفرصه,
وبدأوا فى خداع الجماهير فى تلك اللحظات الحاسمه,
إذ صاح بعض الجماهير:
الى المنبر يا اهل المدينه...

( كان ذلك المنبر عبارة عن برج حجرى عملاق يقع وسط المدينه تماما,
يصعد عليه اعوان الضبع وحكماؤة المزيفون,
وعلى قمته يمكنهم توصيل صوتهم لجميع ارجاء المدينه )

صاحت جماهير اخرى :
نعم,
المنبر هو أس الفساد,
لابد ان نسيطر عليه فورا..

ووصل الخبر للضبع,
وعلم ان السيطرة على منبر المدينه معناها سقوط حكمه نهائيا,
فارسل لحكماؤة المزيفون المندسون,
امنعوا الجماهير من الوصول للمنبر باى طريقه...

وعلى الفور,
صاح الحكماء المزيفون :
يااااااااااااقوم....
لا تنقادوا وراء الخونه الذين يحرضونكم على اقتحام المنبر,
ان المنبر ملىء الان بحرس الضبع,
ولو واجهناهم ستكون مذبحه,
وهذا مايريدة الضبع,
حافظوا على ثورتكم,
واحقنوا دمائكم,
ولا تنقادوا وراء دعوات الخونه والمشبوهين,
اذهبوا الى ميدان المدينه الاعظم,
تجمعوا وتقوقعوا هناك,
تقوقعكم هو سر قوتكم,
واياكم وان تتفرقوا بدعوى اقتحام المنبر او بيت العسس او اى رمز من رموز نظام الضبع اللعين..

وانقادت الجماهير , وانساقوا كالنِعاج الى ميدان المدينه,
ودخلوا الحظيرة,
وزفت البشرى الى الضبع,
الذى تنفس الصعداء,
وقال لأعوانه :
الان أجتزنا مرحله الخطر,
والوقت معنا كفايه,
فلنبدأ من الان فى تصفيه وتفريق هؤلاء البلهاء ..

وصدرت الأوامر لكهنه المعبد , ولحكماء البلاط بالإنطلاق,
واخذوا يصيحون فى كل مكان :
اطفئوا نار الفتنه,
لا تخربوا بيوتكم بايديكم,
إلا الضبع الاعظم,
إلا الضبع الاعظم,
كيف تنسون انه كان ممن حرروا مدينتكم من الغزاة قديما؟!!

إلا ان صوت غضب الجماهير,
كان اعلى بكثير من صوت الحكماء والكهنه,
وفشل الضبع,
فقرر ان يلجأ للعنف ثانيه,
وكان كلبه الوفى قد تمركز بحاميته فى قلب المدينه وحول ميدانها الاعظم,
فتوجه الضبع الى القلعه,
وأمر قائد عسسه بملاقاته هناك,
وكذلك كلبه المخلص,
ومن هناك,
أمر حاميته بسحق الميدان بمن فيه,
إلا ان اخبار عاجله من جواسيسهم المندسون وسط جنود الحاميه وصلتهم :
إن حاله من الغضب الشديد تجتاح جنود الحاميه حول الميدان,
وان قرار مثل هذا من شأنه ان يخرجهم عن السيطرة,
وانهم حتما حينها سيتمردون وينحازون لجماهير المدينه..

هنا آثر الضبع الماكر الحكمه,
وأمعن الحيله,
وقرر استخدام سياسه اخرى,
أختفى الضبع تماما عن الانظار,
وكذلك توارى قائد العسس,
وانفرد الكلب المخلص بالصورة,
وكان محبوبا من اهل المدينه,
حيث انه لم يحتك بهم من قبل ولم يروة او يتعاملوا معه,
وصعد الكلب على المنبر,
وخطب فى الجماهير خطبه عصماء,
وقال لهم انه هو وحاميته معهم قلبا وقالبا,
فهتفت الجماهير فى حماس :
يعيش الكلب العظيم,
حامى حمى الوطن,
ونصير الشعب,
الحاميه واهل المدينه يدٌ واحدة !!!

واصبح الكلب بطلا فى نظر اهل المدينه العميان البلهاء,
وبلغ الامر ان حيلته أنطلت على كثيرون من جنود حاميته والذين سامهم سوء العذاب لسنوات,
والتمسوا له العذر!!
قالوا لعل الامر كان اكبر منه,
وانه كان كرجل من آل فرعون يكتم إيمانه,
بينما سكتت قله من الجنود كانوا على علم بالخدعه,
إما خوفا .. وإما ترقبا

بعد قليل هاجمت أشباح غامضه تجمع اهل المدينه فى الميدان الكبير,
ودارت مذبحه مروعه,
الا ان الجماهير نجحت اخيرا فى طرد الاشباح,
واستمروا فى تجمعهم بالميدان..

كانت القرود قد عاهدت الضبع على ان يدعموة قبل الاحداث,
الا انهم ذهلوا من نجاح الجماهير فى اسقاط العسس فى ساعات,
وهنا قرروا اللعب على الحبلين,
على كلا الكفتين,
على كفه الضبع وعلى كفه الجماهير ايضا,
وفى نفس التوقيت أرسلوا ميموناً رسولا الى ملك امبراطوريه المغول,
طلبوا منه دعمهم,
واقنعوة ان الضبع ساقط لا محاله,
وعرضوا عليه ان يصعّدهم للعرش كبديل للضبع,
وانهم خير حلفاء له,
وإلا...
فسيقبض على ازمّه الامور فى المدينه,
من يناصبونه العداء,
وتحالف ملك المغول مع حاكم المدينه مهم جدا له..

واقتنع ملك المغول,
وارسل رساله الى الضبع,
تخلى فيها عنه,
حيث قال له :
من ملك المغول الى حليفنا المخلص وتابعنا الوفى,
عليك ان ترحل الان,
فامرك قد انتهى,
فارحل واترك لنا الفرصه لإعادة ترتيب المدينه بما يخدم مصالحنا,
ونعدك بالحمايه من اى انتقام..

وأطاع الضبع,
وأعلن انه سوف يتنازل عن العرش لكلبه المخلص,
حيث انه لا جدوى من عناد ملك المغول,
فالحل الامثل,
أن يرحل الضبع كما أمرة ملك المغول,
بينما يقبض الكلب على السلطه,
وهو بطل فى نظر المواطنين,
ويختفى الضبع تماما من الصورة,
وبذلك,
ينزع فتيل الغضب من نفوس الناس,
ويتمكن الكلب من اعادتهم لحظيرة النظام بالتدريج,
حينئذ,
سيكون امام الكلب فرصه جيدة لإعادة الضبع الى العرش,
وحينها...
لن يجد ملك المغول بُدا من التراجع عن تخليه عن الضبع,
وسيتحالف معه من جديد,
وتعود الامور لما كانت عليه..

وضج اهل المدينه بالهتاف,
وخرجوا فرحين من الميدان الاكبر,
وطافوا كل شوارع المدينه فى إحتفاليه ضخمه,
حتى مر عليهم الليل كله وهم كذلك,
واُنهكت أجسادهم من التعب,
فعادوا الى منازلهم عند الفجر واستلقوا نائمين بلا حراك,
فى تلك الاثناء كان الكلب يراقب الوضع فى صمت وهو مبتسم,
وما ان نام أغلب اهل المدينه,
حتى أمر بعض افراد من حاميته بالتسلل الى الميدان الأعظم,
وسحل من تبقى به من المواطنين,
الذين لم تنطلى عليهم الخدعه,
وتم له ما اراد,
ولم يلتفت اهل المدينه لذلك الحدث الصغير فى غِمار نشوتهم بالإنتصار الوهمى!

وتلك كانت البدايه..




-------انتهى الجزء الأول--------